سيرى ضابط قاوم بالحكمة وخدم الوطن بإخلاص

🔴 من اعلام الحوظ
سيرة ضابطٍ قاوم بالحكمة وخدم الوطن بإخلاص
الشيخ ولد الدد
الشيخ ولد الدده ولد الشيخ ولد جول، من مواليد سنة 1950م، بربوع حاسي بوزريبة التابعة لمقاطعة باسكنو، وينتمي إلى قبيلة أولاد داوود، فخذ أولاد علوش لمخطره.
والدته لاله عيشه بنت اعبيدي، من نفس القبيلة الكريمة.
نشأ الفقيد في بيت عز وكرم، وكان والده من أصحاب الرأي والكلمة المسموعة في مجتمعه. عاش طفولته في مقاطعة باسكنو، حيث تلقى تعليمه الأول في المحظرة، فحفظ القرآن الكريم، وجمع بين التعليم المحظري والتعليم النظامي، حتى حصل على شهادة الباكلوريا.
بدأ مسيرته المهنية في سلك التعليم التربوي معلماً، غير أن طموحه وهمته دفعاه إلى الالتحاق بالمؤسسة العسكرية، فدخل مسابقة ضباط الدرك الوطني في سبعينيات القرن الماضي، لينال رتبة ضابط ويبدأ رحلة طويلة من الخدمة الوطنية.
وخلال سنوات حرب الصحراء، كان له دور بارز في الذود عن مقاطعة باسكنو، حيث تصدى رفقة زملائه للغزاة حتى تم ردهم على أعقابهم، في مواقف ظلت راسخة في ذاكرة المنطقة والوطن.
كما كان له، رفقة الضابط المخطار ولد السالك، دور بارز في أحداث السادس عشر من مارس، حيث يُعد إفشالهما للتحرك الانقلابي من أبرز المحطات التي جنبت البلاد ويلات خطيرة وهيمنة مجهولة العواقب.
وفي مشهد وصفه كثيرون بالدراماتيكي، تحرك الشيخ ولد الدده بكتيبته هو وزميله نحو مبنى القيادة العامة للجيش، بعدما سيطر الانقلابيون على قيادة الأركان واعتقلوا قائد الأركان العقيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع وعدداً من كبار الضباط. وتمكن الشيخ ولد الدده من تحرير قائد الأركان، قبل أن يتم إغراق مكاتب القيادة بالغازات المسيلة للدموع لإرباك الانقلابيين وإنهاء العملية دون خسائر تذكر.
بعد تلك المرحلة، أخذ “استراحة محارب”، حيث تقلد عدة مناصب إدارية، فشغل ولاية لبراكنه، ثم تيرس الزمور، وأخيراً كيدي ماغا.
وعندما أدركت السلطات حجم كفاءته ومسؤوليته، تم تعيينه مديراً للضرائب، فكان أول مدير يكسر هيمنة الفرنكفونية داخل الإدارة، عبر إصدار الوثائق باللغة العربية، انتصاراً للهوية الوطنية وتفعيلاً لدستور البلاد.
لكن رياح السياسة عصفت به لاحقاً، حين وُجهت إليه تهمة الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي، ففُرضت عليه الإقامة الجبرية في باسكنو. وبعد صدور العفو عن البعثيين في عهد الرئيس معاوية ولد الطايع، عُرضت عليه العودة إلى المؤسسة العسكرية، لكنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، مفضلاً الحفاظ على شرف العقيدة العسكرية والسمعة على حساب المنصب.
بعدها عُين مستشاراً رفيعاً في ميناء نواكشوط المستقل، قبل أن يصل إلى قبة مجلس الشيوخ، حيث قدم نموذجاً نادراً في الأمانة والنزاهة. وخلال إشرافه المالي على الغرفة، أعاد مبلغ أربعمائة مليون أوقية إلى خزينة الدولة خلال الفترة الانتقالية، في خطوة جسدت عفة يده ونبل معدنه.
وفي سنة 2013م، عُين سيناتوراً عن دائرة المغرب العربي، وواصل مواقفه الوطنية، حيث كان من أبرز الشيوخ الذين تصدوا للتعديلات الدستورية سنة 2017م، ورفضوا تمريرها عبر مجلس الشيوخ.
وعُرف الشيخ ولد الدده بقضاء حوائج الناس، والتواضع، والشجاعة، والابتعاد عن سفاسف الأمور، فحظي بمحبة واسعة واحترام كبير بين مختلف الأوساط.
تزوج الشيخ ولد الدد ورزق ببنين وبنات
وقد امتدحه الشعراء والأدباء، ومن ذلك ما قاله الأديب الكبير الشيخ ولد مكي:
مذكور أعين مجد
والي فأبلد ولد الدد
متعدل حق ومن مد
معلوم وفاضل من
وأتلقين ذيك الرده
بالفرح لين أتيقين
ءلاتظف كاع امرد
فل نبغ معروف إن
نبغ والي من الله
متعدل حق ءحق
إن ماكن نبغ ش لاه
إمش عن ول الدد عن
كما قال عنه المفكر الكبير محمد يحظيه ولد ابريد الليل:
“لا أعرف أحداً في مثل كفاءته ونضجه”.
وفي فبراير سنة 2021م، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد عمر حافل بالنضال والعطاء وخدمة الوطن.
وقد رثاه الأدباء والمفكرون، ومن أجمل ما قيل فيه رثاء الأديب ناجي محمد الإمام:
رباه إن ابن ددَّه
قد جاءك الليل وحده
فأقبله فيمن رعيتَه
منك العناية عده
عرفته من زمان
وزارني منذ مده
فأقبل من الشيخ توبًا
وارزقه دارًا معده
فيها جرت سلسبيلا
عينٌ تسيل مودَّه
آنسه بالحور فيها
وارزقه لين المخده
وصلِّ رب وسلم
على المُحمَّد وحده.
توفي الشيخ ولد الدده خلال جائحة كورونا، وهو ما يزال في عز عطائه وهمته، بعد حياة حافلة بخدمة الوطن والنضال في سبيل قضاياه الكبرى.
وقد شكل رحيله خسارة كبيرة لمنطقة الحوض الشرقي ولموريتانيا عموماً، باعتباره واحداً من أبرز شخصيات الحوض، لما حباه الله به من شجاعة وحكمة ورجاحة عقل، إضافة إلى ما عُرف عنه من تواضع وكرم ونصرة للمظلومين وقضاء لحوائج الناس.
السلام على روح الشيخ ولد الدده في العالمين.




