أخبار

من اعلام الحوظ سيرة عالم خلدته مؤلفاته ووفاؤه للشيخه سداتي ولد باب عينين

من اعلام الحوظ
سيرة عالم خلدته مؤلفاته ووفاؤه لشيخه

العلامة العارف بالله سيدي محمد ولد باب عينين، الملقب سداتي، أحد أبرز أعلام الحوض الشرقي ورواد الحركة العلمية والتصوف في غرب إفريقيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فقد جمع بين التبحر في العلوم الشرعية، والإنتاج العلمي الغزير، والدفاع عن العقيدة والطريقة التجانية الحموية، إلى جانب وفائه النادر لشيخه أحمده حماه الله في أحلك مراحل المحنة.
وُلد سداتي بمدينة النعمة حوالي تقريبا سنة 1885م، وهو سيدي محمد بن باب عينين بن علال بن مولاي المأمون بن سيد محمد المهدي، شرفاء النعمة.
والدته هي أمسرة بنت مولود وهي من موالي والده (الخالفه الخظره)
استهل تعليمه بحفظ القرآن الكريم في محظرة أهل حادين بن الحبيب ابناء العلامة القصري، حيث أتم حفظ كتاب الله، ونال الإجازة في روايتي ورش وقالون عن الإمام نافع.
ثم واصل رحلته العلمية بمحظرة باب حسن بن مولاي عبد الله بن مولاي الحسن، فدرس علوم النحو واللغة والأدب، وأتقن البلاغة من خلال كتاب عقود الجمان، حتى غدا من أبرز طلاب عصره.
رحلة إلى حواضر العلم في غرب إفريقيا
انتقل بعد ذلك إلى مدينة كرينس على ضفاف نهر النيجر، حيث كان يقيم شقيقه الأكبر علال ولد باب عينين، ومنها أوفده في رحلة تجارية إلى مدينة كانو النيجيرية، إحدى أعظم الحواضر الإسلامية آنذاك.
وفي كانو، لم تقتصر رحلته على التجارة، بل اغتنم وجوده بين كبار العلماء الوافدين من مصر وشمال إفريقيا، فدرس علوم الأصول والمنطق والبيان، وتلقى الحديث الشريف من كتب كالترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه، إضافة إلى تفسير القرآن الكريم، في بلاط سلطان الهوصا عبد الله بن عباس وابنه تيرومه الهوصيين.

بعد وفاة شقيقه علال عاد إلى النعمة، حيث التقى بالعلامة محمد المختار بن محمد يحيى الولاتي، الذي أجازه في الحديث الشريف والأوراد التجانية.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى قصد مدينة نيورو المالية، حيث التقى بفريد عصره وجوهرة زمانه شيخنا أحمده حماه الله بن محمدو بن سيدنا عمار، فكان ذلك اللقاء نقطة تحول في حياته العلمية والروحية. وقد أجازه الشيخ بتلقين الأوراد، واختاره لاحقًا مفتيًا فيما يرد إليه من مسائل، ولا سيما قضايا التصوف، كما أسند إليه تحرير رسائله والردود العلمية على خصوم الدعوة التجانية.
وعند لقائه الأول بشيخه أنشد قصيدة من أربعة وأربعين بيتًا، استهلها بقوله:
بشراك نفسي بنيل المقصد
وافيت زاوية الإمام الأحمد…

حين اشتدت ملاحقة الاستعمار الفرنسي للشيخه أحمده حماه الله وسجنه بالمذرذرة، لم يتردد سداتي في شد الرحال إليه، فجمع بين ملازمة شيخه ومواصلة التحصيل العلمي، فدرس على كبار علماء اترارزة ألفية ابن مالك، وإحمرار ولد بونه، وعلوم الحساب والفلك، وغيرها من الفنون.
كما كان حضوره العلمي سببًا في تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة حول الطريقة الحموية، ودارت بينه وبين كبار العلماء تلك المنطقة مناظرات علمية، من أشهرها مع العلامة أبي مدين بن الشيخ أحمدو بن اسليمان، الذي قال عقب استماعه إليه:
“ذ باط الا آسواقه”
في إشارة إلى أن ما يُتداول عن الطريقة ليس إلا افتراءً وكذبًا.
أما العلامة والمؤرخ المختار ولد حامدون، فقد أنشد بعد لقائه بالشيخن حماه الله:
أشاقك بالحمى برق أنارا
بعيد النوم أم آنست نارا
حماه الله كل هوى وجهل
وحلاه السكينة والوقارا…

ولما قرر الاستعمار الفرنسي نقل الشيخن أحمده حماه الله سرًا إلى أحد سجون ساحل العاج، بدأ سداتي رحلة استثنائية بحثًا عن شيخه.
وكان يتقن عدة لغات إفريقية مع بشرته، فاستثمر تلك الميزة في التنقل والتخفي، متنكرًا مرة في هيئة تاجر ماشية، وأخرى بائع لحم، وثالثة حطابًا، حتى تمكن من الوصول إلى شيخه في مدينة دنبجه بساحل العاج.
ومن هناك بعث برسالة شعرية مشفرة إلى أهل نيورو، قال فيها:
ألا فأعلموا أن جب صارت هي المعنى
فأكرم بها معنى ويا حبذا مغنى
عليها تدور المكرمات بأسرها
فمن شاء فليرتع بروضتها الغنا.
فأجابه العلامة الشيخ محمد الأمين بن اخطور بقوله:
علمنا وآمنا وربي وصدقنا
بقولكم أن جب هي صارت هي المعنى.
وظل سداتي خلال تلك المرحلة مؤنسًا لشيخه، وواسطةً بينه وبين أتباعه ومحبيه في مختلف أنحاء إفريقيا، حتى أعادت السلطات الاستعمارية الشيخ إلى نيورو بعد إنتشار الطريقة الحموية في قبيلة باوله والهيللة في ادغال إفريقيا.
فدس المستعمر الفرنسي الفتن في المنطقة ودارت رحى فتن كانت حسب ظني نتاج عمل من أعمال الإستعمار القذرة
فعادت المضايقات والسجن والملاحقة على الطائفة الحموية
على إثر تلك الأحداث الأليمة،
فرضت السلطات الفرنسية على سداتي الإقامة الجبرية في تمبدغه، قبل أن تسمح له بالعودة إلى مسقط رأسه بمدينة النعمة مع الإقامة الجبرية في منزله المبارك.
ورغم التضييق، واصل عطاءه العلمي، فخلّف مكتبة زاخرة بالمؤلفات، من أبرزها:
_روض المحب الفاني في الذب عن طريق الشيخ التجاني (ثلاثة مجلدات).
_جلاء العمى عن عين الجاهل بالحمى.
_بهجة الأشباح والأرواح.
_سلم الرسوخ في الناسخ والمنسوخ من القرآن العظيم.
_تحرير أدلة القول في المنسوخ من سنن الرسول.
_تفريج الكروب ببيان شعب الإيمان وبعض مكفرات الذنوب.
_مركز إصابة الأئمة الراشدين بكون الصحابة كلهم مجتهدين.
_مصباح كل سار مفتش عن صحيح البخاري، وهي أرجوزة في مصطلح الحديث.
_الصوارم المفرقة لجموع رماة المؤمنين بالكفر والزندقة.
_غاية الأماني في بيان ختمية الشيخ التجاني، إضافة إلى عدد من المؤلفات في الردود العقدية والفقهية.
وقد وصفه تلميذه سداتي ولد باب الشيخ المصطفى من أولاد ابيري بأنه كان عالمًا ربانيًا، وصوفيًا، وأديبًا، وشاعرًا، لا يترك شبهة تُثار حول الطريقة الحموية إلا تصدى لها بالحجة والبرهان، فانتفع بعلمه خلق كثير، وأسهم في تعليم الجاهل، وإصلاح العاصي، وترسيخ قيم الدين والاعتدال.
كان العارف بالله سداتي ولد باب عينين قليل الكلام طويل الصوت لكن إذا تكلم لفت الأنظار إليه
عابد منقطع لربه لاتفارقه سبحته،
تزوج العلامة سداتي ولد باب عينين، ورُزق أبناءً وبنات، ومن أشهر أبنائه الأستاذ مولاي المأمون ولد باب عينين، الذي تولى عمدة مدينة النعمة سابقا.
وفي يوم الثلاثاء 27 رجب 1378هـ، الموافق 14 أبريل 1959م، أسلم العارف بالله سيدي محمد (سداتي) ولد باب عينين الروح إلى بارئها،
لم يكن العلامة العارف بالله سيدي محمد (سداتي) ولد باب عينين مجرد عالم أو مؤلف، بل كان مدرسة علمية وروحية كرّست حياتها لخدمة القرآن والسنة، والثبات على المبدأ، والوفاء للشيخه أحمده حماه الله. ورغم مرور عقود على وفاته، لا يزال إرثه العلمي والروحي حاضرًا في مؤلفاته وتلامذته، ليظل اسمه خالدًا بين أعلام موريتانيا وغرب إفريقيا، ونموذجًا للإخلاص في خدمة العلم والدين،
السلام على روح سداتي ولد باب عينين في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى