من اعلام الحوظ رحلة عالم جمع بين طلب العلم والإمامة والزهد

من اعلام الحوظ
رحلة عالم جمع بين طلب العلم والإمامة والزهد
محمد عبد الله ولد احميتي
يُعد الإمام محمد عبد الله ولد أحمدو ولد محمد عبد الله ولد احميتي، من أبرز علماء منطقة الحوض الشرقي خلال القرن الماضي، حيث جمع بين طلب العلم الشرعي، والإمامة، والتدريس، والتأليف، إلى جانب ما عُرف عنه من الزهد والكرم وحسن الخلق.
ولد سنة 1940م في منطقة أعوينات الراجاط، الواقعة على بعد نحو تسعة كيلومترات جنوب مدينة النعمة من قبيلة إجمان، ونشأ في قريته اعوينات الراجاط.
والدته تقله بنت محمد ولد أبي بكر من قبيلة أولاد ابيري، وينتهي نسبها إلى محمد ولد أمرابط مكة.
منذ نعومة أظفاره، أظهر شغفاً بطلب العلم، فرحل إلى مدينة ولاتة، حاضرة العلم والثقافة، حيث التحق بمحظرة “اب ولد شيخن” ونهل من علومها المختلفة. وعندما افتُتح معهد بأبي تلميت وبدأ بعض الطلاب يتوجهون إليه، فكر في الرحيل للدراسة هناك، غير أنه استشار العالم الجليل والعارف بالله الشريف سيداتي ولد باب عينين النعماوي، الذي نصحه بالبقاء في منطقة الحوض قائلاً: “يا بني، في الحوض من العلماء والفقهاء وأهل اللغة العربية ما يغني طالب العلم عن التغرب”.
امتثل لنصيحة الشيخ، وكانت لتلك اللقاءات أثر بالغ في نفسه، إذ غرست فيه محبة التصوف وأهله واحترام العلماء والصلحاء. بعدها اتجه جنوباً إلى محظرة العلامة محمد فضل الله ولد أهل إيده الوسري الجكني، حيث واصل تحصيله العلمي في مختلف الفنون الشرعية واللغوية.
وخلال فترة دراسته، نشأت بينه وبين شيخه محمد فضل الله علاقة مودة وتقدير كبيرة، تُوجت بزواجه من ابنته وهو لا يزال شاباً يافعاً، وقد رزق منها بابن توفي في مقتبل العمر. كما حصل على الإجازة العلمية على يد شيخه، ودرس عليه عدداً من المتون الفقهية والنحوية.
وفي تلك المرحلة، كان كثير التردد على مجلس العارف بالله الشيخ أحمد الهيبة ولد الشيخ سيدي الخير، فتأثر بأخلاقه وعبادته وسلوكه، وترك ذلك أثراً عميقاً في شخصيته. ورغم أنه لم يبايعه، فإن صلته بالشيخين سيداتي ولد باب عينين وأحمد الهيبة جعلت قلبه معلقاً بالتصوف وأهله، وظل مدافعاً عنهم ومقدراً لمكانتهم طيلة حياته.
بعد إكمال دراسته عاد إلى مدينة النعمة، حيث امتهن التجارة. وكان من حسن حظه أن متجره كان قريباً من منزل محمد ولد عبد المالك الولاتي، الذي ضم مكتبة زاخرة بالكتب والمراجع النفيسة. فتحولت أوقات كثيرة من يومه إلى المطالعة والبحث، وهو ما لفت انتباه محمد ولد عبد المالك الذي أدرك أن همّ الرجل الأول كان العلم والمعرفة أكثر من التجارة وكسب المال.
وعندما أنشأت الدولة الموريتانية مركز عدل بكرو الإداري، رافق محمد ولد عبد المالك إلى هناك، جامعاً بين التجارة وطلب العلم. فدرس على الشيخ الحضرامي ولد أوصيف، وأخذ عنه بعض الإجازات، كما لازم مجالس الشيخ إطول عمرو ولد مولاي الكبير واستفاد من علمه.
وفي عدل بكرو أجمع الأهالي على تقديمه إماماً للجامع، ويُعتقد أنه أول من خطب الجمعة فيه، فجمع بين الإمامة والتدريس والتجارة، وظل يؤدي رسالته العلمية والدعوية بكل إخلاص.
غير أن طبيعة المناخ هناك أثرت على صحته، فشد الرحال إلى نواكشوط طلباً للعلاج. وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته العلمية والدعوية، إذ تولى إمامة جامع السمعة في السوق المركزي “كابيتال” بطلب من التاجر الصالح الحاجي ولد سيدين، رحمه الله. فأمّ الناس وخطب الجمعة، وواصل في الوقت نفسه رحلة طلب العلم.
وفي العاصمة درس على الشيخ الجليل الداه ولد أيده الولاتي، وحصل منه على إجازة في الحديث الشريف، كما واصل التدريس وتكوين طلبة العلم والبحث عن الشيوخ والاستفادة منهم.
وخلف الإمام محمد عبد الله ولد احميتي عدداً من المؤلفات، من أبرزها:
– كتاب في زيارة الصالحين.
– كتاب في عمود النسب.
– كتاب في الرد على نظرية داروين ونقد أطروحاتها.
– كتاب في التصوف.
– مجموعة من الفتاوى في النوازل والقضايا الفقهية المختلفة.
كما عُرف بقوة الاستنباط الفقهي، ومن أشهر مواقفه العلمية رده على فتوى للإمام بداه ولد البوصيري حول إرث المرأة الناشز، حيث ناقش المسألة بأدلة فقهية وقاسها على الولد العاق الذي أجمع الفقهاء على إرثه، فلفت ذلك أنظار العلماء وطلبة العلم إلى مكانته العلمية وقدرته على الاجتهاد والترجيح.
وقد حظيت مؤلفاته بتقاريظ وإشادات من عدد من العلماء والفقهاء البارزين، الذين نوهوا بسعة اطلاعه وتمكنه العلمي.
وعُرف الإمام رحمه الله بالزهد في الدنيا، وحسن الخلق، والكرم والسخاء، حتى إن من عرفوه ذكروا أنه لم يُعرف عنه الانشغال بلهو الشباب أو زخارف الحياة. وكان إذا وصلته هدية أو عطية أنفقها على المحتاجين غير آبه بادخارها، كما عُرف بجرأته في النصح وقوله للحق دون خوف أو تردد.
تزوج ورُزق ببنين وبنتين، ومع مطلع الألفية الجديدة عاد إلى مسقط رأسه بأعوينات الراجاط، حيث واصل الإمامة والإرشاد، كما اختير أميناً عاماً لرابطة العلماء عند تأسيسها.
وفي عام 2003م، أسلم الروح إلى بارئها بعد عمر حافل بالعطاء، قضاه في طلب العلم وتعليمه، وإمامة المسلمين، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، تاركاً وراءه سيرة علمية ودعوية ما زالت حاضرة في ذاكرة تلامذته ومحبيه.
وبوفاة الإمام محمد عبد الله ولد احميتي طُويت صفحة مشرقة من صفحات العلم والبحث والمعرفة، ورحل أحد أعلام الزهد والورع في موريتانيا. وقد شكلت وفاته خسارة كبيرة للمحظرة الموريتانية وللوسط العلمي والدعوي، لما تركه من أثر في التعليم والإمامة والتأليف وتربية الأجيال.
السلام على روح الإمام محمد عبد الله ولد احميتي في العالمين



