أخبار

سيرة علم وقضاء وإرث خالد القاضي محمد عبد الله ولد الشيخ محمد الأمين

🔴 من اعلام الحوظ
علمُ وقضاء وإرث خالد
القاضي محمد عبد الله ولد الشيخ محمد الأمين

القاضي محمد عبد الله بن الشيخ محمد الأمين بن سيد بن محمد بن الإمام القلاوي الموساوي، من فرع أهل الإمام بوحمادي، أحد أبرز أعلام العلم والقضاء في موريتانيا خلال القرن العشرين. وُلد سنة 1900م بمنطقة أركيبة في ولاية العصابة، عند أخواله، وكانت والدته عيشة فال بنت المختار سيدي محمد ولد الطالب سيد أحمد، من فخذ أهل الطالب سيد أحمد لقلال.

نشأ بربوع جكني في بيتٍ عريق في العلم والصلاح، فأبوه الشيخ محمد الأمين ولد سيدي كان من كبار علماء القرآن الكريم في عصره، ومن أشهر مشايخ السند، إذ عُرف بالتدريس والقضاء، وكانت محظرته مقصدًا لطلاب العلم. كما تنحدر أسرته من مدينة شنقيط، حاضرة العلم والحضارة، التي أنجبت أجيالًا من العلماء والفقهاء.

بدأ القاضي محمد عبد الله رحلته العلمية في محظرة أسرته، وهي محظرة عريقة توارثتها الأسرة جيلاً بعد جيل، فأتم حفظ القرآن الكريم صغيرًا، ونال الإجازة على يد والده، ثم انصرف إلى دراسة علوم العربية، فحفظ ألفية ابن مالك ودرسها وهو لم يبلغ العاشرة من عمره، في دلالة على نبوغه المبكر وشدة تعلقه بالعلم.

وبعد أن نهل من علوم والده، ارتحل إلى العلامة محمد سالم ولد الشين، قبل أن ينتقل إلى محظرة العلامة محمد المختار ولد امباله التيشيتي. وقد رُوي أن الشيخ امتنع أول الأمر عن قبوله، فلما علم بنسبه العلمي ومكانة أسرته أرسل في طلبه، فكان من أبرز تلامذته، ودرس عليه أمهات كتب الفقه المالكي، وفي مقدمتها رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومختصر الشيخ خليل بن إسحاق، وتحفة الحكام لابن عاصم، ومراقي السعود لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي. ونال منزلة خاصة عند شيخه لما لمس فيه من ذكاء واجتهاد وحسن خلق.

وبعد وفاة والده، تولى شقيقه الشيخ محمد الهادي إدارة المحظرة، وكان رجلاً ورعًا يترفّع عن القضاء، ولا يفتي إلا في أضيق الحدود، بينما ظل مجلس القاضي محمد عبد الله مقصدًا للطلاب والعامة، وروضة للعلم، ومنبرًا للإصلاح، فلا يجالسه أحد إلا خرج بفائدة في الفقه أو بموعظة تهذب النفس وتصلح السلوك.

وكان يرى أن تدريس الأطفال لا يناسبه، معللًا ذلك بأن كثرة الانشغال بهم قد تؤثر في صفاء الذهن واستيعاب المسائل العلمية الدقيقة، ولذلك كرّس جهده لتعليم طلاب العلم والمتقدمين في الفقه.

رزقه الله محبة واسعة بين قومه والقبائل والمجتمعات المجاورة، وأسهمت أخلاقه الرفيعة ومكانته العلمية في توثيق تلك العلاقات، حتى غدا مرجعًا في الفتوى والقضاء، واشتهر بحكمته وحسن تدبيره للنزاعات، كما عُرف بحبه للناس جميعًا، واحترامه لمختلف القبائل، وسعيه الدائم إلى الإصلاح وجمع الكلمة.

وكان قوي الشخصية، صلبًا في تطبيق أحكام الشرع، لا تأخذه في الحق لومة لائم، حتى لُقب بـ”الدفّار” لما عُرف عنه من الحزم والجرأة في تنفيذ الأحكام. وإلى جانب ذلك، كان كريم النفس، شهماً، قريبًا من الفقراء والمساكين، يقضي حوائجهم ويواسي المحتاجين.

خلف القاضي محمد عبد الله عددًا من الفتاوى والأحكام الشرعية وانتشرت فتاواه في شتى الآفاق لم تجمع بعد، كما ألّف كتابًا بعنوان “تزيين الدفاتير على من يدعي العلم مع الأصاغر”، وهو من آثاره العلمية المعروفة.

وتزوج، ورزقه الله أبناءً وبناتٍ صالحين، من أبرزهم:

– الفقيه محمد الأمين رحمه الله.
– الفقيه دادي رحمه الله.
– الفقيه ورجل الأعمال المنفق سيدينا.

وفي سنة 1986م، أسلم القاضي محمد عبد الله روحه إلى بارئها، بعد حياة حافلة بطلب العلم، وتعليمه، والإصلاح بين الناس، والفصل في الخصومات، ونشر الفقه، تاركًا سيرةً عطرة وإرثًا علميًا واجتماعيًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة من عرفوه وتتلمذوا على يديه
وقد حضر جنازته جمع غفير من الأعلام والفقهاء من مدينة تمبدغه
_العلامة أمحمد بن شيخنا محمد المختار ولد امباله
_العلامة محمد عبد الله ولد أبو الولاتي
_العلامة محمد عبد الوهاب ولد سيدينا
_الفقيه الشيخ ولد الطلبة
_الفقيه خطري ولد محمد ول خطري
حيث قال العلامه محمد عبد الله ول اهل أبو “العلم هو الذي لاه تدفنوه وقد كان يصعب الكلام بحضرته..”
وبرحيل العلَم القاضي محمد عبد الله ولد الشيخ محمد الأمين، فقدت منطقة الحوض الشرقي أحد أبرز أعمدة العلم والقضاء، غير أن المحظرة الموريتانية أثبتت، كما عهدها الناس، قدرتها على تخريج علماء وقضاة أكفاء حملوا رسالة العلم، وصانوا القضاء، وواصلوا مسيرة الإصلاح ونشر المعرفة جيلاً بعد جيل.
السلام على روح القاضي محمد عبد الله ولد الشيخ محمد الأمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى