من اعلام الحوظ سيرة شيخ الهيبة والمروءة أحمد العلال

🔴 من اعلام الحوظ
سيرة شيخ الهيبة والمروءة..
احمد العلال
وُلد أحمد ولد عبد الله ولد علال، المشهور بـ”أحمد العلال”، عام 1882م بمدينة آقريجيت التاريخية بتكانت، من قبيلة أولاد بله المغفرية العريقة،
نشأ في بيت شرف وأصالة، فوالدته هي حورية بنت امبارى، من نفس القبيلة الكريمة.
ترعرع أحمد العلال في ربوع آغريحيت، حيث امتزج عبق التاريخ بأصالة البادية وقيم العروبة، وكان ملازماً لشيخ أولاد بله إبراهيم ولد زيدان، خلال تنقلات القبيلة بين آقريجيت وباطن ولاتة طلباً للكلإ والتنمية..، وهي الأراضي التي عرفت بامتداد حضور أولاد بله من تيشيت إلى باطن ولاتة وحتى أطراف مدينة النعمة.
تلقى تعليمه المحظري كأبناء جيله، فنهل من علوم الدين واللغة، وعُرف منذ شبابه بالفطنة وقوة الشخصية ورجاحة العقل.
وحين تعرض شيخ القبيلة إبراهيم ولد زيدان للتسميم كان في عقده الثاني او الثالث من عمر أحمد العلال، أوصى ابراهيم كبار القبيلة بأن يُجعل أحمد العلال خلفاً له، قائلاً:
“أراه أهلاً لها، وسيسدد أمركم وقد شب علي يدي”.
وهكذا تولى مشيخة أولاد بله، فكان نعم الشيخ خُلقاً وخَلقاً، في فترة دقيقة من تاريخ المنطقة، بعد أن بسط المستعمر الفرنسي نفوذه على الحوض الشرقي عقب وفاة الأمير محمد المختار ولد محمد محمود.
شيد أحمد العلال منزله بمدينة النعمة، التي كانت آنذاك من أهم الحواضر التجارية والإدارية، وهناك بدأت تتشكل ملامح شخصيته القيادية والدينية. وكان ميالاً إلى الذكر والعبادة، حتى قاده شوقه الروحي إلى مدينة انيور، حيث التقى بالمجدد وفريد عصره العارف بالله شيخن أحمده حماه الله ولد محمدو ولد سيدنا عمار.
وقد نشأت بين الرجلين مودة عظيمة، وارتاحت النفوس لبعضها. ويروى أنه في إحدى السمرات سأل شيخن حماه الله خاصته أن يذكر كل منهم شيئاً من فضل الله عليه، فقال أحمد العلال:
“منذ أن صمت رمضان بمدينة آقريجيت، لم يمس جسدي اجنبية ، ولم أصلِّ بتيمم لا صيفاً ولا شتاء”.
فانبسط وجه شيخن حماه الله وقال:
“هذا يكفي… هذا يكفي من فضل الرحمن”.
وكان أحمد العلال حكيماً حاضر البديهة، ومن أشهر مواقفه أن المستعمر الفرنسي اعتقل عشرين رجلاً من قبيلته وأحالهم إلى محكمة كيفه. فذهب معهم، وبقي عاماً كاملاً يتابع قضيتهم، حتى حكمت المحكمة ببراءة تسعة عشر رجلاً، وإدانة رجل واحد بالسجن عشرين سنة.
فقال أحمد العلال للقاضي الفرنسي:
“لقد عطلتم تسعة عشر رجلاً عاماً كاملاً، فإما أن تردوا إليهم حقوقهم، أو تعتبروا أنهم قضوا مع صاحبهم تسعة عشر عاماً ظلماً، وبذلك تكون العشرون سنة قد اكتملت”.
فبهت القاضي من منطقه، وأمر بإطلاق سراح الجميع
وقال له القاضي الفرنسي ياأحمد عقلك ليس في افريقيا.
وعُرف عنه كذلك شهامته ومروءته؛ إذ صادر المستعمر ماشيةً تعود لأجمان وأهل أحمد الأسود، وعرضها في مزاد علني، فاشتراها أحمد العلال، ثم أعادها لأصحابها قائلاً:
“الحيوان حيوانكم، ولا حاجة لي به”.
وكان رحمه الله قوي البنية يمتلك لياقة بدنية خارقه مهيب الطلعة، لكنه لم يعرف بطشاً ولا تكبراً، بل بالتواضع والوقار. ويُروى أن حاكماً فرنسياً في النعمة كان يتعمد إحراج الشيوخ بمصافحة قوية تؤلمهم، فلما صافح أحمد العلال، رد عليه بقوة حتى صرخ الحاكم، وقال أمام الحضور:
“لم أر قوة مثل قوة أحمد العلال”.
ولما توترت علاقته بالمستعمر بسبب انتمائه للطريقة الحموية وكثرة تردده على شيخن حماه الله وبعض الأمور الأخرى، أرسل إليه الحاكم الفرنسي خمسة جنود ليلاً ليبطشوا به وكانواةمن الزنوج، فتمكن وحده من السيطرة عليهم وتكبيلهم، إلا واحداً منهم قال له:
“إن أبي تلميذ لشيخن حماه الله”.
فأجابه أحمد العلال:
“اجلس، فقد دخلت حصناً مهيباً”.
ثم ساق البقية صباحاً إلى الحاكم الفرنسي احتجاجاً على انتهاك حرمة منزل شيخ قبيلة.
كما أسس قرية “أنواودار” في ثلاثينيات القرن الماضي، لتكون ثاني حاضرة كبرى لأولاد بله، واكتمل بناؤها في عهد خليفته السالك ولد المختار، وما تزال قائمة إلى اليوم.
وكان باراً بوالدته براً عظيماً، حتى إنها كانت تناديه وهو في المجالس المهمة، فيترك القوم ويلبي نداءها دون تردد، وقد ورث أبناؤه وأحفاده تلك الخصلة الحميدة.
وقد زادت علاقته بالطريقة الحموية ورفضه لسياسات الاستعمار من غضب الفرنسيين عليه، فعمدوا إلى عزله سنة 1944م ثم نفاه المستعمر إلى اقليم ازواد وقضي فترة من الزمن رافضا سياسات الإستعمار
ليعود إلى انواودار وسكنه حتى اتاه اليقين
ورغم ذلك، ظل أحمد العلال مهاباً في قومه، طويل القامة، جميلاً، وقوراً، محبوباً بين الناس، وقد خلد الشعراء ذكره، فقال فيه أحدهم:
ياشيخ بله مكموله شلحال
عاكب ذي الصيفه
وأياك حشمة لاحول
اعدوك هذه لخريفه
ياأركيزت اشراف العربه
ماقط ثقلت افصربه
أولاقط بركت افطلبه
أدور فيهم لمظيفه
والجاك من طايح يربه
وأكفلت كم من اشريفه
وأرفت حمل اهل الباطن
وأسگيتها من لمعاطن
أولاقط حد لهم شاطن
فأخبار ظلم اعل صيفه
وأضعيفه تحت قاطن
ماقط جبرت اتحركيفه.
تزوج الشيخ أحمد العلال، ورزقه الله أبناءً وبنات صالحين، من أبرزهم الحافظ لكتاب الموطأ أكنافا محمد ولد علال رحمه الله، والسياسي المعروف باب ولد علال متعه الله بالصحة والعافية
والتاجر الصدوق في دولة ساحل العاج محمدو ولد علال يرحمه الله
وفي سنة 1967م، رحل شيخ أحمد العلال إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالمواقف والبطولات والمكارم.
ويبدو أن حكمة أحمد العلال وقوة شخصيته، لو كُتب له أن ينجو من دسائس المستعمر ومكائده، لكانت قبيلته قد بلغت منزلةً أرفع ومكانةً أكبر بين القبائل. فقد كان من شيوخ الحوض المعدودين في أهل الرأي والسؤدد، ممن جمعوا بين رجاحة العقل، وقوة الحضور، وحسن التدبير، وهي صفات قلّ أن تجتمع في رجل واحد. لكن سياسات الاستعمار، بما حملته من تضييق واستهداف للقيادات المؤثرة، حالت دون أن يبلغ مشروعه القبلي والاجتماعي تمام ما كان يُرجى له من امتداد وازدهار وقد خلفه الجواد الكريم السالك ولد المخطار فحمل المشعل احسن حمل.
السلام على روح احمد العلال في العالمين، وبارك الله في عقبه إلى يوم الدين.




