أخبار

سيرة إمام جامع بين العلم والزهد والتربيه العلامة أمحمد ولد شيخن محمد المختار

🔴من اعلام الحوظ

سيرة إمام جامع بين العلم والزهد والتربيه

العلامة أمحمد ولد شيخن محمد المختار ولد امباله..

 

وُلد العلامة الفقيه العابد أمحمد ولد شيخن محمد المختار ولد امباله في مطلع القرن العشرين، حوالي سنة 1910م، في بيئة علمية عريقة تنتمي إلى قبيلة شرفاء تيشيت، وهي من المدن العلمية التي اشتهرت عبر القرون بإشعاعها في مجالات الفقه واللغة والتصوف.

وقد نشأ في بيت علمٍ وصلاح، فأبوه هو العلامة الفقيه المتصوف شيخن محمد المختار ولد امباله، أحد أعلام زمانه، وأمه بنت عمه فاطمة بنت محمد المختار أسري بن امباله، مما أضفى على نشأته طابعاً علمياً وروحياً خالصاً.

تعهّد والده تربيته وتعليمه منذ نعومة أظفاره، فحفظ القرآن الكريم حفظاً متقناً، ونال الإجازة فيه على يد والده، قبل أن ينخرط في مسار علمي متكامل، جمع بين علوم الشريعة وعلوم العربية. فدرس «رسالة ابن أبي زيد القيرواني» و«مختصر خليل» في الفقه المالكي، وتعمّق في أصول الفقه من خلال «مراقي السعود»، كما تلقى علوم اللغة والنحو والصرف، فحفظ «الآجرومية» و«لامية الأفعال» و«ألفية ابن مالك» و«إحمرار ولد بونه»، وتمكن من أدوات العربية تمكناً مكّنه من النظم والبيان.

ولم يقتصر تكوينه على العلوم النقلية، بل كان له نصيب وافر من الأدب، حيث حفظ قدراً كبيراً من أشعار العرب في الجاهلية وصدر الإسلام وما بعده، فانبسط لسانه بالشعر والنثر، وكان يُنشد بين يدي والده ويجيد التعبير الأدبي، حتى اكتملت شخصيته العلمية، وصار من العلماء الموسوعيين الذين يجمعون بين الفقه واللغة والأدب والتصوف.

وبعد وفاة والده وشيخه، تولى العلامة أمحمد قيادة المحظرة، فحمل الأمانة العلمية بكل اقتدار، وجعل من محظرته منارةً للعلم لا تُردّ عنها وفود الطلاب، حيث ظل يستقبل طلاب القرآن والفقه والنحو والأصول، ويُدرّسهم مختلف المتون، دون كلل أو ملل، محافظاً على تقاليد المحظرة الشنقيطية الأصيلة في التعليم والتربية.

وقد عُرف عن العلامة ورعه الشديد وتحريه الدقيق للحلال، حتى في أدق الأمور؛ إذ يُروى أنه امتنع عن أكل شاةٍ اشتُريت لهم حين علم أنها تعود ليتيم، رغم زيادة ثمنها من والده، مخافة الوقوع في الشبهة.

كما يُروى أنه كان يملك غنماً عند أحد البدو، فلما توفي الراعي، واشتبه عليه أمر ملكية بعض الشياه، سأل عن من يميز شياه الأيتام، فلما قيل له إن الأطفال هم من يعرفونها، آثر ترك القطيع كله، تورعاً وخوفاً من أكل مال الأيتام بغير حق.

وكان العلامة بعيداً عن دوائر السلطة، فلم يُعرف عنه أنه قصد باب حاكم أو والي أو وزير، بل اختار طريق الزهد والانصراف إلى العلم والعبادة. وقد عُرض عليه لقاء رئيس الجمهورية الأسبق محمد ولد عبد العزيز، إلا أنه اعتذر عن ذلك، مفضلاً البقاء في خلوته العلمية والروحية، وهو ما يعكس زهده وابتعاده عن مظاهر الدنيا.

انتظمت حياة العلامة في نسق تعبدي وعلمي دقيق؛ فكان يبدأ يومه من الثلث الأخير من الليل، حيث يحييه بالأوراد والذكر حتى ما بعد شروق الشمس، ثم يستقبل طلابه، فيشرع في تدريس المتون، من «الأخضري» و«ابن عاشر» و«الرسالة» و«مختصر خليل» و«مراقي السعود» إلى «الآجرومية» و«الألفية» وغيرها، شارحاً ومفصلاً، ومقرناً بين الفقه والتزكية. وعند الزوال، يتفرغ للتهيؤ للصلاة، فيدخل في طهارته طويلاً، ثم يؤدي صلاة الظهر، ويستريح قليلاً، ليعود بعد العصر إلى التدريس والتوجيه، قبل أن يختم يومه بالذكر واستقبال القبلة في مسجده حتى صلاة العشاء.

وكان محباً لطلابه، مشفقاً عليهم، حريصاً على تربيتهم تربية علمية وأخلاقية، كما عُرف بعطفه على المساكين، ووصاياه الدائمة بالإحسان إليهم، مما جعل له مكانة خاصة في قلوب الناس.

وخلّف العلامة إرثاً علمياً ثرياً، تمثل في عدد من المؤلفات والمنظومات، من أبرزها:

منظومة في تجويد القرآن برواية نافع، جامعة لأبواب علم التجويد

«البرق المنير الوامض» في علم الفرائض، تناول فيه المسائل المشكلة والغامضة

«جامع الشتات» في النحو

«نفح مسك البشر في حكم مولد شفيع البشر صلى الله عليه وآله وسلم»

منظومات فقهية متعددة، ونصائح دينية

مدائح نبوية وأدعية منظومة

شرح لنظم في مسائل العَول والانكسار

نظم في زكاة الأوراق النقدية

وقد تزوّج العلامة ورُزق أبناءً وبنات، وكان لهم نصيب من تربيته وعلمه، ومن بينهم العلامة الفقيه محمد المختار ولد امباله رئيس الفتوى والمظالم سابقا.

وفي يوم 17 ديسمبر 2012، فُجع المجتمع التيشيتي، ومعه عموم المهتمين بالعلم الشرعي في موريتانيا، بوفاة هذا العالم الجليل، إثر وعكة صحية، بعد عمرٍ حافل بالعطاء في ميادين التعليم والعبادة والإصلاح. وقد خلّف رحيله فراغاً كبيراً، غير أن أثره العلمي والتربوي ظل ممتداً في تلاميذه وآثاره ومآثره

وشهدت تمبدغه يوم وفاته جنازة مهيبة حضرها جمع غفير وجلس أبناءه وأهل تيشيت في عزاء توافدت عليهم الوفود من كل ربوع وطننا .

  1. السلام على روح العلامة أمحمد ولد شيخن محمد المختار ولد امباله في العالمين وبارك في عقبه،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى