أخبار

رحلة عالم من الحوض إلى قمم الفقه المالكي الشيخ عبد الجليل ولد اربيعه

🔴من اعلام الحوظ
رحلة عالمٍ من الحوض إلى قمم الفقه المالكي

الشيخ الفقيه عبد الجليل ولد السالك ولد سيد أحمد ولد الطالب حمد المختار ولد أربيعه الملقب(عبدي)
يُعد الشيخ عبد الجليل ولد السالك ولد سيد أحمد ولد الطالب حمد المختار ولد أربيعه، الملقب عبدي، أحد أعلام العلم والفقه في الحوض الشرقي خلال القرن العشرين. ولد سنة 1886م في أسرة عُرفت بالعلم والصلاح من قبيلة إيدوبلال، والدته هي فاطمة بنت أهل أباه، وهي ابنة عمه.
أظهر نبوغًا مبكرًا، فحفظ القرآن الكريم و”الردفة” وهو في التاسعة من عمره على يد عمته، ثم أخذ السند عن الشيخ سيدي محمد ولد أهل خيري من أهل الأحمد الأسود، قبل أن تدفعه همته العالية إلى الارتحال في طلب العلم، في رحلة امتدت قرابة عقدين من الزمن بين محاظر ولاتة وإنشيري، حيث لقي كبار العلماء ونهل من معينهم.
في مدينة ولاتة، لازم العلامة الفقيه محمد يحيى ولد أهل أبو المعروف بالولاتي، فدرس عليه مختصر الشيخ خليل والحديث الشريف، ونال منه الإجازة. كما أخذ تفسير القرآن العظيم عن العلامة محمد يحيى ولد سليمه اليونسي.
وذات يوم، قدمت إلى ولاتة قافلة من الشمال تحمل الأقمشة(الخنط)، وكان من بينها فقيه أخذ يتحدث عن العلامة القارئ ولد محمد سالم وشرحه لمختصر خليل، فشد حديثه انتباه عبد الجليل، وأثار في نفسه شوقًا عارمًا للقاء ذلك العالم. ولما علم أن الطريق إلى إنشيري محفوف بالمخاطر وقطاع الطرق، لم يتراجع، بل أخبر شيخه الولاتي بعزمه، فبحث له عن قافلة متجهة إلى تيشيت وأوصى به خيرًا، وكان يحبه حتى لقبه بـ”أطفيل”.
وصل عبد الجليل إلى تيشيت، ومنها رافق قافلة إلى مدينة أطار، غير أنه لم يجد من يقصده إلى إنشيري، إذ كانت القوافل تتجه شمالًا نحو تيرس لجلب الملح. انتظر طويلًا، فلما يئس من العثور على رفقة، حمل زادًا يسيرًا، وتوكل على الله، وسلك الصحراء وحيدًا، متحديًا مخاطر الطريق.
وقبيل وصوله إلى مقصده، وقع في كمين نصبه قطاع الطرق. سألوه عن قصته وقبيلته، فلما قال إنه من إيدوبلال أمر زعيمهم بقتله، ظنًا أنه من إيدوبلال الشمال المشهورين بالقوة والبأس. غير أن عبد الجليل أدرك الموقف بحكمة وذكاءه، فقال: “أنا من إيدوبلال الشرق، أهل علم وزوايا، ولسنا من أهل المدافع.”
وكان بين اللصوص رجل حافظ للقرآن وله رصيد من الفقه، فطلب من زعيمه أن يمتحنه. فأمر عبد الجليل بتلاوة مواضع من أصعب اجزاء القرآن، فقرأها عن ظهر قلب دون خطأ، ثم سأله في مسائل من الفقه والحديث، فأجابه عنها بإتقان. عندها قال الرجل لزعيمه: “لقد صدق، فهو طالب علم.”
فعدلوا عن قتله، وأكرموه، وأطعموه، ثم قال له كبيرهم “يكلع بوك: بت ليلتك هنا، فإذا طلع الفجر فاسلك هذا الاتجاه، فإنه يوصلك إلى شيخك.”
ومع بزوغ الفجر واصل سيره حتى بلغ محظرة العلامة القارئ ولد محمد سالم، فروى له ما جرى في رحلته، فسرّ الشيخ بقدومه وأكرمه، وكان عنده أحد طلاب قبيلة تجكانت، قدأكمل التعليم فكان زميلا له
ولما عرف أهل المنطقة أنه حافظ متقن للقرآن ومجاز فيه، جاءت امرأة تحمل هدية نفيسة، عبارة عن دراعة وحولي، وقالت للشيخ القارئ: “أعطها لهذا الطالب اشروق، وليعلم ابني القرآن.” فأراد عبد الجليل أن يترك الهدية لشيخه، غير أن الشيخ قال له: “خذ الحولي على الأقل.” فيروي عبد الجليل أنه اقتسم ذلك الحولي مع زميله الجكني وكان طوله عشرين ذراع، فاكتسى كل واحد منهما بنصفه.
أقام الشيخ عبد الجليل في محظرة القارئ ثلاثة عشر عامًا، غاص خلالها في علوم الفقه المالكي وأصوله، حتى صار من كبار فقهائه، واشتهر بين أهل العلم حتى قيل فيه:
“من هو خليل في الشريعة؟
عبد الجليل ولد أربيعه.”
وبعد فراغه من طلب العلم، عاد عبر القوافل إلى جهة أنيور المالية، فأقام مدة يدرّس إحدى القبائل هناك، وكان يزور مدينة أنيور كل خموسة(عطله اهل المحظرة)، حيث التقى بالعارف بالله شيخنا أحمد حماه الله. وقد أثنى على كرمه وحسن ضيافته، وقال إنه لم ير قرى أكثر إكرامًا للضيف من قراه، إلا أنه لم يبايعه لكن بقي يحبه ويثني عليه.
ثم عاد إلى موطنه بالحوض، فقصده الطلاب من مختلف الجهات، وأسس محظرة عامرة تولى بنفسه جميع شؤونها، وسخّر ما آتاه الله من مال لخدمة العلم وطلابه. وتخرج فيها عدد كبير من العلماء والفقهاء، من أبرزهم:
_محمد الأمين ولد محمد إسحاق، الملقب “بو أشريويطه القلقمي.
_الشيخ محمد الأمين ولد الطالب صالح ميناه من فخذ الطالب ببكر أولاد بحمد واصله من اولاد يونس
_حمي ولد الإمام الجكني.
_عبد الوهاب ولد مولود السمسدي البرتلي، النعماوي خؤولةً ووطنًا.
وغيرهم من علماء ومشايخ الحوض.
ولم يكتف بما حصله من الفقه، بل عاد فدرس علوم العربية والنحو على يد عبد الله ولد اكويتي حتى استوعب ما عنده من علومها.
وكان تلميذه حمي ولد الإمام الجكني يروي عنه قوله: “حفظت مختصر خليل وجميع شروحه، وربما جاوزتهم في بعض المسائل الفقهية.” ولم يؤلف ربما تورعا كبعض اقرانه الذين يفضلون الخمول لكنه ترك الكثير من الفتاوي لم تطبع بعد
تزوج الشيخ عبد الجليل، ورزقه الله أبناءً وبنات، وكان يتنقل بين اظهر وباطن أنواودار للإنتجاع لماشيته مع بعض قبائل المنطقة اجعافرة وتنواجيو وأولاد بله وقد كان يجاور لحماد ولد أمهيدي ويحبه، رحمهم الله.
وبعد حياة حافلة بالعلم والتعليم والعبادة، انتقل إلى جوار ربه سنة 1971م بمدينة النعمة، ودُفن في مقبرة رياض بالقرب من كدية البهجة.
رحم الله الشيخ عبد الجليل ولد أربيعه، فقد خلّف سيرةً زاخرة بالجد في طلب العلم، والصبر على المشاق، والإخلاص في التعليم، حتى أصبح أحد الأعلام الذين حفظت لهم بلاد الحوض مكانتهم في سجل العلماء والربانيين.
السلام على روح عبد الجليل ولد اربيعه في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى