
الديبلوماسي الأديب الأريب شيخ العافية ولد مولاي أحمد… سيرة فتوّة ووفاء
في ذاكرة مدينة النعمة، وفي وجدان الحوض الشرقي، يلمع اسم شيخ العافية ولد مولاي أحمد بوصفه واحدًا من رجالات العلم والأدب والدبلوماسية، ممن جمعوا بين أصالة المنشأ، وسمو الخلق، وسعة العطاء، وحضور الكلمة.
وُلد شيخ العافية سنة 1938م، من والدته خديجة بنت المعلوم ولد ثالول القلاوية، ونشأ في بيت علم وشرف، فكان التكوين المحظري مساره الأول، شأنه شأن أقرانه، غير أنه لم يقف عند حدّ التحصيل، بل تجاوزه إلى التمكن والتبحّر، فجمع بين علوم المحظرة وانفتاح العصر. تعلّم اللغة الفرنسية فأتقنها، وشارك في امتحان المعلمين ففاز به، ليبدأ مشواره التربوي معلمًا مزدوجًا، جامعًا بين لغتين وثقافتين.
غير أن طموحه لم يتوقف عند التعليم، إذ خاض غمار الصحافة، فعمل نائبًا لمدير مكتب الوكالة الموريتانية للأنباء في مدينة لعيون، قبل أن يلج السلك الدبلوماسي، حيث مثّل وطنه في بعثات خارجية، فعمل في جمهورية مالي، ثم سفيرًا بالمملكة المغربية، ومستشارًا عاليًا للسفير في إمارة قطر، في مسيرة دبلوماسية اتسمت بالحكمة والاتزان وحسن التمثيل.
وفي مرحلة لاحقة، انتقل إلى العمل الخيري، ضمن مؤسسة قطرية عُنيت ببناء المساجد، وطباعة المخطوطات، وتحقيقها وتنقيتها، فكان بذلك خادمًا للعلم والتراث، حارسًا للذاكرة، ومساهمًا في إحياء النصوص وصونها من الضياع.
أما في ميدان الأدب، فقد كان الشيخ العافية أحد أدباء الحوض البارزين، وفتى لغن الحساني، يتميز شعره بالنَّفَس الرومانسي، وصدق العاطفة، وسلاسة التعبير. كتب الكاف وهو بعيد عن أهله، حين اشتد عليه الشوق وضاق عليه الدوام، فخرجت كلماته صادقة، نابضة بالحنين، شاهدة على شاعر لا يفصل بين التجربة والقول.
إل مطان ذ المدير
أذن أيلحكني للنرجاه
نعرف عني ذ العام الخير
مولان حاكمني لأخلاه
وكان فقيهًا متمرّسًا، جمع بين الفقه والأدب، وأظهر فتوّته العلمية في موقف شهير حين أراد الزواج بمحبوبته، فقيل له بوجود محرّمية، فأنشد طلعته المعروفة، جامعًا فيها شروط الرضاعة بدقة فقهية ومنهج علمي رصين، حتى بلغت أحد كبار الفقهاء، فبرّكها، وأقرّ بما جاء فيها من شروط على أنها المعتمد في صحة الرضاعة. وهكذا امتزج الشعر بالفقه، واللغة بالحُجّة، في صورة نادرة من صور العالم الأديب.
قالوا عنك محرمتي بأكمال
ذ الخلق وصرتك بعد انت
مان لاه نكبلل محال محرمتك
مانك محرمتي
ثبوت الرضاعه وأخبار
صحته لعادت تندار
بالقول الصحيح ولإشهار
شروط اتعودي بعد اختي
لول منها شهود احرار
شافوك إلين او رظعتي
وصصرطتي وأخلك لغيار
من ذاك البيه اصصرطتي
ولل مايخلك كد اغيار
من محرمتك كون أل عدتي
قط أو صافحتي وجه انهار
وأنت ماقط أو صافحتي
أم محرمتك كاع اخبار
مفيسد ذ الخلق اسمعتي
كال انك محرمتي بأكمال…
- وعُرف شيخ العافية بجوده وكرمه، حتى لُقّب بـ**“أسعاي”**، وهو لقب لا يُمنح إلا لمن يعطي الخير الوفير بلا منّ ولا أذى. كان كريم النفس، واسع الصدر، قريبًا من الناس، محبًّا لوطنه وأبنائه. رُزق أبناءً كرامًا وبناتٍ مصونات، ثم اختار الحرمين الشريفين محطة أخيرة في مسيرته، حيث شغل منصب الأمين العام لمكتبة خليفة بن حمد آل ثاني بمكة المكرمة.
وكان منزله عامرًا بالحجاج الموريتانيين، على اختلاف شرائحهم، يجد كل واحد منهم مكانته في قلبه، وضيافة تليق بأبناء وطنه. وفي إحدى سنوات الحج، حين حج الفنان سيد أحمد البكاي ولد عوه، أقام له الشيخ العافية مأدبة عامرة، فانبثقت من تلك اللحظة أبيات خالدة، ظل الفنان يرددها، ويذكر معها اسم الشيخ العافية بكل وفاء ومحبة،
هولك ذ ياأشقيقي
من ذ الهول الكاسي
وأينهول لأفريقي
وأينهول للآسي،
وبعد عمر حافل بالعلم، والأدب، والدبلوماسية، والكرم، لبى شيخ العافية نداء ربه، فتوفي في طيبة الطيبة، ودُفن في البقيع الطاهر بتاريخ 23 أبريل 1996، تاركًا خلفه سيرة عطرة، وأثرًا لا يزول.
سلامٌ على روح أسعاي شيخ العافية ولد مولاي أحمد، ورحمةٌ تتنزّل عليه، وبارك الله في عقبه، وجعل ذكراه حيّة في القلوب، ما بقي للوفاء معنى، وللكلمة شرف.




