من اعلام الحوظ سيرة علم وورع وتجارة الداه ولد ايده

🔴 من اعلام الحوظ
سيرة علم وورع وتجارة..
الداه ولد ايده
وُلد سيدي بوبكر ولد أحمد، الملقب بالداه ولد ايده، عام 1932م بمدينة ولاتة، حاضرة العلم والحضارة والتاريخ، وينتمي إلى قبيلة أولاد دادوود المغفرية. ووالدته هي فاطم بنت جودتي ولد أب عيني، وهي ابنة عمه.
تلقى تعليمه الأول في سن مبكرة، فحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ شيخن ولد احمالل التيشيتي، ثم أكمل قراءته على الشيخ فالي ولد أعلي بان البلاوي الذي أجازه في القرآن. وبعد ذلك واصل طلب العلم في محظرة أهل شيخن محمدي، فدرس على أب ولد شيخن، وعلى والده ايده، كما درس الحديث الشريف على خاله أب ولد جودتي الذي أجازه فيه، ويتصل سنده بالعلامة الفقيه محمد يحيى الولاتي، ثم أخذ العلم عن الشيخ محمد جدو ولد محمد الأمين، وغيرهم من علماء ولاتة في تلك الحقبة.
عُرف منذ شبابه بحدة الذكاء وقوة الحفظ، فكان يحفظ من السماع مرة واحدة، ويستحضر النصوص وقواعدها بدقة، ويجيب عن المسائل مع استحضار أدلتها وأصولها، حتى عُدَّ من الحفاظ المتقنين.
وبعد أن نهل من علوم مدينته في الفقه والحديث واللغة وعلوم الشريعة، اتجه إلى التجارة. وقد نجح في مسابقة المعلمين العربية، لكنه آثر عدم الالتحاق بالتدريس، كما نجح في مسابقة القضاة، إلا أنه زهد في تولي القضاء لما كان يشعر به من عظم مسؤوليته.
بدأ نشاطه التجاري في مدينة لعيون بالحوض الغربي، ثم انتقل بعد الاستقلال إلى مدينة النعمة عاصمة الحوض الشرقي. وبعد أحداث النعمة (اعمارة النعمة) التي نفذتها حركة النهضة واستهدفت بعض الفرنسيين، غيّر نشاطه إلى تجارة الماشية، فاتجه إلى ساحل العاج حيث كانت هذه التجارة مزدهرة آنذاك.
وفي ساحل العاج لم يكن تاجراً فحسب، بل كان مرجعاً دينياً ومصلحاً اجتماعياً، حتى اختارته الجالية الموريتانية وجيهاً لها، يفصل بين الناس بحكمته وعلمه، مستفيداً من مكانته العلمية وما عُرف به أهل ولاتة من ميل إلى الإصلاح والحياد بين الخصوم.
وفي عام 1976م قدم إلى العاصمة نواكشوط ممثلاً للجالية الموريتانية في ساحل العاج، فاستقر بها، واتخذها موطناً دائماً. وهناك جمع بين التجارة ونشر العلم، فكان متجره في سوق العاصمة ملتقى لطلبة العلم، يقصدونه لتعلم الفقه والحديث والنحو وقراءات القرآن، كما كان مقصداً للمستفتين وطلاب المشورة، حتى غدا محل ثقة كبيرة، يودع الناس فيه أموالهم وأماناتهم وعندما شب حريق في الجناح الذي يوجد فيه محل لم ينجو من ذلك الحريق إلا محله وحده.
وكان كثير من الأسر يحرصون على حضوره لعقد قران أبنائهم تبركاً بصلاحه، كما كان يشرف على تغسيل الموتى وتجهيزهم، محتسباً ذلك عند الله تعالى.
واتصف الشيخ الداه ولد إيده بالسكينة والوقار، وكان قليل الكلام، خفيض الصوت، واسع العلم، لين الجانب مع مختلف فئات المجتمع الموريتاني. وعُرف بعفته وتعففه، فلم يكن يقبل أن يعيش إلا من كسب يده. حتى إن أبناءه البررة عرضوا عليه أن يتكفلوا بجميع نفقاته، فرفض قائلاً: “يا أولادي، أنا لا آكل إلا من كسب يدي.” وكان إذا أُهدي إليه شيء من أبنائه وزعه على أرحامه والمحتاجين.
وفي شبابه مالت نفسه إلى حركة النهضة، لكنه ابتعد بعد ذلك عن العمل السياسي، ولم يُعرف عنه الانخراط في أي نشاط حزبي. ويُروى أنه عندما ترشح صديقه وابن مدينته التاجر المنفق حاجي ولد سيدينا لمنصب عمدة نواكشوط، قال له: “يا حاجي، أنا لا أصوت لأحد، ولو كنت أنت المرشح.” ولم يستثنِ من ذلك إلا عندما ترشح المختار ولد السالك البلاوي نائباً عن مقاطعة ولاتة في إنتخابات 1994م، حيث دعا أهله إلى التصويت له، تقديراً لمكانته الاجتماعية ودوره في مرحلة تأسيس الدولة الموريتانية.
وكان الشيخ متواضعاً إلى أبعد الحدود، حسن الخلق، كريم المعشر، وربّى أبناءه وبناته على مكارم الأخلاق وحب العلم، فكانوا خير خلف لخير سلف، ومنهم الأستاذ الفاضل محمد لقظف، والدكتور والأستاذ الجامعي محمدو
وفي يوم عرفه من عام 2016م، أسلم الشيخ الداه ولد إيده الروح إلى بارئها في مسقط رأسه ولاتة، فرحل أحد أعلامها، وشيخ من شيوخها، وبقية ميمون، وقد خلف سيرة عطرة، امتزج فيها طلب العلم، ونشره، والتجارة الشريفة، وخدمة الناس، فبقي أثره حياً في نفوس تلامذته ومعارفه، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
السلام على روح الداه ولد ايده في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين




