سيرة رجل من اهل المروؤة والكرم السالم ولد ميني

🔴 من اعلام الحوظ
سيرة رجل من أهل المروءة والكرم..
محمد الأمين السالم ولد ميني
يُعدّ محمد الأمين السالم ولد سيد محمد ولد الطيب ولد سيد محمد ولد سيد أعمر ولد ميني الجكني، من فخذ إيديقوب، من الشخصيات التي تركت أثراً طيباً في الذاكرة الاجتماعية لمجتمع تجكانت، بما عُرف عنه من مروءة وشهامة وكرم ونجدة ورحمة بالناس.
وُلد رحمه الله بضواحي كرو، بمنطقة أكويكيط في ولاية لعصابة، في أسرة عريقة عُرفت بالعلم والكرم والشجاعة. وكان والده يتخذ من منطقة أركيبه إلى تجكجة ثم بومديد مجالاً لانتجاع مواشيه، وكان حافظاً لكتاب الله، معروفاً بالجود وحسن الخلق.
أما جده سيد أعمر، فقد اشتهر بالنجدة وشدة البأس وقوة الشكيمة، وكان له سبعة أبناء حملوا السلاح دفاعاً عن القبيلة في زمن الحروب والصولات، حتى عُرفت خيمتهم في المجتمع الجكني بخيمة «اسبع اسروز»، وكانت موضع احترام وتقدير.
والدته بنت عمه مريم بنت أميْ ولد محمد طالب عثمان. وقد توفي والده وهو لا يزال صغيراً، فنشأ في كنف أخواله، وهم أسرة عُرفت بالصلاح والولاية والفضل، إلى جانب شقيقتيه. ثم ما لبثت والدته أن توفيت هي الأخرى، فكفله خالاه الطاهر وإبراهيم، وكانت خالته شديدة العطف عليهم والرعاية لهم.
حفظ السالم القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم توجه إلى محظرة الشيخ سيد محمد ولد ميتار، الذي أجاز العلامة محمد الأمين ولد اخطور، الملقب بـ«آبه». وقد أجاز السالم في قراءة الإمام نافع، وفي عدد من المتون المحظرية.
ثم انتقل إلى محظرة الولي الصالح محمد المصطفى ولد سيدي يحيى المسومي، والد الداعية المعروف محمد ولد سيدي يحيى، فنال منه إجازة في روايتي قالون وورش، وواصل دراسة بعض المختصرات حتى أتم باب البيع وأتقنه.
وقد كان الشيخ محمد المصطفى يحب تلميذه السالم، ويرى فيه همة عالية ومروءة نادرة، ولذلك أوصاه عند مغادرته المحظرة بوصايا ظلت حاضرة في حياته وسلوكه.
ومن وصيته له أن يتجنب مواطن العار، وأن يبادر إلى نجدة أصحاب الحاجات وصيانة أعراضهم وكرامتهم، وأن يتروى عند الغضب، ولا يتصرف تحت تأثير الحفيظة. كما أخذ بيده وقال له: «لن تتجه هذه اليد لأمر إلا وفقت بإذن الله».
وكان السالم، رحمه الله، وفياً لتلك الوصايا، فظل سلوكه طوال حياته شاهداً على أثر التربية المحظرية التي تلقاها.
بعد أن نهل من العلم، عاد إلى مضارب أخواله ليودع شقيقتيه وأخواله، وقال لهم إنه تعلم فرض العين وأصبح بمقدوره البيع والشراء.
واتجه إلى التجارة، واشترى من شيخه سيدي محمد ولد ميتار بستان نخيل وبعض الماشية لشقيقتيه، ليكون لهما عوناً على الدهر وتقلباته. وكان قد ورث عن والديه شيئاً من المال.
ثم قصد السنغال، قبل أن يعود ويتجه شرقاً، حيث كانت التجارة نشطة بين شرق موريتانيا وإقليم أزواد ودول الساحل الإفريقي، ومنها مالي وساحل العاج والنيجر وبوركينا فاسو.
وكان يومها حديث السن قليل التجربة، لكنه كان يحمل همة عالية وعقلاً راجحاً وشهامة جعلته يتجاوز صعوبات البدايات.
كانت أول محطة له في الشرق مدينة النعمة، التي بدأ المستعمر الفرنسي آنذاك يتخذها عاصمة للحوض، في إطار إعادة تنظيم نفوذه الإداري في المنطقة والتخفيف من هيمنة قبيلة مشظوف.
وكان أول من التقى به في النعمة ابن عمه محمد الأمين ولد الطالب اعبيدي، فأكرمه وأخبره بوجود شيخ تجكانت الحوض، محمد الأمين ولد النينين، رحمه الله، عند منزل أصهاره أهل حادين.
فذهب إليه السالم، فبالغ شيخ تجكانت محمد الأمين في إكرامه، وعندما علم أنه تاجر وينوي التوجه إلى أزواد، وضع له موعداً في منطقة أظهر، واشترى منه غنماً للمستعمر الفرنسي بأغلى ثمن، فكانت تلك أول صفقة تجارية له في الحوض.
ومن النعمة انطلق إلى أزواد، فباع واشترى، ثم اشترى بعض الأبقار ليعود بها إلى الحوض.
وقد تعجب بعض أهل أزواد من حداثة سنه، وقالوا له إن هذا الطريق شاق عليه، وإنه قد لا يستطيع السير بالماشية من أزواد إلى النعمة، وسألوه ماذا سيفعلون بالحيوانات إذا عادت إليهم ولم يصل هو.
فأجابهم بنبرة التحدي والثقة: إن عادت إليكم وأنا على قيد الحياة فهي لكم.
وساق الماشية بنفسه حتى وصل بها إلى الحوض الشرقي، في قصة تختصر الكثير من شخصيته: همة لا تعرف التردد، وإرادة لا تستسلم للصعاب.
وخلال مزاولته التجارة، التقى صدفة بشيخ قبيلةأولاد بله المغفرية، أحمد ولد علال، فأحبه وأكرمه، وكان يشتري منه.
بل إن أحمد ولد علال كان يقول عن السالم: «السالم ولد ميني ابني».
وتطورت هذه العلاقة إلى مصاهرة، فتزوج السالم إحدى بنات أحمد ولد علال، ورُزق منها بابن توفي صغيراً، وبابنة كبرى، متعها الله بالصحة والعافية.
وظل السالم، رحمه الله، محباً لأصهاره من أولاد بله، يجلهم ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم.
بعد فترة من التجارة، عاد إلى وطنه في كرو ليتفقد شقيقتيه ومجتمعه، فوجد خلافاً محتدماً حول قيادة فخذ إيديقوب، وكانت القيادة آنذاك عند محمد المختار ولد اباه ولد ميني.
وبعد أن بلغ الخلاف مداه، اتفق أفراد الفخذ على أن يتولى السالم القيادة، لكنه رفضها رفضاً باتاً، مفضلاً مواصلة حياته بعيداً عن التنافس على الزعامة.
وعاد إلى تجارته، واتخذ من مدينة النعمة مقراً لإقامته، واشترى منزلاً في الحي الشمالي منها.
وفي ذلك المنزل نزل ابن عمه العلامة محمد الأمين ولد اخطور، الملقب بـ«آبه»، أثناء رحلته إلى بيت الله الحرام، وقد ذكر ذلك في رحلته قائلاً:
««وقد نزلنا بالنعمة عند ابن عمنا السالم ولد ميني إحدى عشرة ليلة في غاية التبجيل والإكرام».»
وتلك الشهادة من عالم وفقيه ورحالة تختصر جانباً مهماً من شخصية السالم، فقد كان إكرام الضيف عنده خلقاً راسخاً لا تكلف فيه.
وبعد منزله العامر بالنعمة شيد منزلا في قرية ابناء عمومته اجريف وكان هذا المنزل قبلة لكل محتاج بل إتخذه مكان دائم لإقامته حتى رحل عن دنياه الفانية يرحمه الله.
عُرف السالم ولد ميني بالنخوة والشهامة والكرم الذي يحير المعطى، وكان رامياً ماهراً لا تكاد تخطئ له طلقة.
وكان، إلى جانب قوته وشجاعته، رحيماً حنوناً، شديد الإحساس بحاجات الناس.
ويروى أن رجلاً مسكيناً جاءه يطلب بقرة، فمنحه إياها، لكن البقرة ماتت قبل أن يصل بها الرجل إلى أهله. فعاد إليه منكسر الخاطر، فما كان من السالم إلا أن أعطاه بقرة أخرى.
ومرت السنوات، حتى أصبح للرجل عدد من الأبقار من نسل تلك البقرة. فجاء إلى السالم ومعه ماشيته، وقال له إنها من نسل البقرة التي منحه إياها بعد نفوق الأولى.
فقال له السالم: كل هذه البقر وأتباعها ملك لك، فقد أعطيتك إياها منذ اليوم الذي جئتني فيه منكسر القلب لنفوق المنحة الأولى.
وهكذا كان كرمه لا يقف عند حدود العطاء العابر، بل كان يريد للمعروف أن يستمر وينمو مع الأيام.
وقد أثنى عليه القضاة والفقهاء وأهل الفضل، وشهدوا له بما عرفوه من السخاء وحسن الخلق وذاك هو احسن ثناء وتزكية،
ومن ذلك ما قاله القاضي محمد ولد مالك التاكاطي بعدما تم تحويله عن النعمة:
«أيا نجل الكرام إليك عني
مشاعر تستجد وذاك أني
وإن طفت البلاد على اختلاف
وعاشرت العشير بكل فن
نظرت فما وجدت أخا ثناء
نظيرك في السخاء وأم عيني
ضيوفك لا تزال بعيد نهل
تعلل بالسخاء وبالتأني
جواب في جواب في جواب
ومازال الحديث لديكم ون
هنيئاً لابن ميني بكل روح
وهلل بالغداة عليه مني
سلام كالنسيم يفوح نشراً
كما فاح الجواد بدون من»
وقال فيه بادي أعبيد من قبيلة أهل الطالب:
أيد السالم ما يكرفها
طبت ممقوطه بالمعط
كيف الكسح ما يعرفها
ما يعرف كون البسط
مارت كرم هون أومعطاه
ألا يعط فألطاه الله
ول كابظ من حد إلاه
في الرجلين أكثر من لكط
ذاك السالم راه ول جاه
ما يتخط يعي يبط
أولاه لاه يمش عفاه
أتل إكد إكظظ صرط.
وقال سداتي أمباله التيشيتي:
بقر السالم يالقهار
جبرو كد ألدارو
جبرو جار الدار
وجبرو ألماه جارو
وقال فيه سداتي أيضاً:
أهل الطيب بالأخص
وساهم ذا الرب امخص
لأهل الرصف ولي قص
هوم كلاعين القصه.
وهي شهادات شعرية لا تكتفي بوصف الكرم، بل تصور مكانة الرجل في وجدان من عاصروه وعرفوا خصاله.
تزوج السالم ولد ميني عدة مرات، ورزقه الله أبناء وبنتين، فرباهم أحسن تربية، وكان من ثمرة عنايته بهم أن حفظوا القرآن الكريم.
وفي شهر سبتمبر من سنة 1996، بالعاصمة نواكشوط، أسلم الروح إلى خالقها، بعد صراع مع مرض البروستات، محتسباً وراضياً بقضاء الله وقدره وكانت وفاته خسارة للمساكين حيث وجد معظم منائحه جعلها وقفا
رحل السالم ولد ميني، لكن رحيله لم يكن نهاية قصته؛ فبعض الرجال يغادرون الدنيا وتبقى سيرتهم تمشي بين الناس، في مجالسهم وذكرياتهم وشهادات من عرفوهم.
لقد اجتمعت في السالم خصال قلّ أن تجتمع في رجل واحد: علمٌ في بدايته، وهمة في شبابه، وشجاعة في مواقفه، وتجارة في معاشه، وكرم في يده، ورحمة في قلبه، ومروءة في سلوكه، ووفاء في علاقاته.
ولعل أجمل ما يختصر سيرته أن وصية شيخه بقيت حاضرة في حياته: أن لا تتجه يده إلى أمر إلا وفقت فيه بإذن الله، وأن يكون عوناً للمحتاج، حافظاً للعرض، متأنياً عند الغضب.
رحم الله محمد الأمين السالم ولد ميني رحمة واسعة، وجزاه عن أهله وأرحامه وضيوفه ومحتاجيه خير الجزاء، وجعل ما قدمه من معروف وكرم ونجدة في ميزان حسناته، وبارك في ذريته، وأبقى ذكره الطيب
- فالأعمار تمضي، والرجال يرحلون، لكن سيرة الكريم لا تُدفن معه؛ تبقى ما بقي من
عرفوه،وما بقي من أثرٍ تركه في حياة الناس.
السلام على روح جدي السالم ولد ميني في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين.




