أخبار

من اعلام الحوظ سيرة امير جمع بين الإدارة والأدب والسياسة الشيخ محمد الأمين

🔴 من اعلام الحوظ
سيرة أمير جمع بين الإدارة والأدب والسياسة
الشيخ محمد الأمين ولد سيدي امحمد

ولد الوجيه والإداري والأديب الشيخ محمد الأمين ولد سيدي امحمد سنة 1925م بآرشان ادخينه الواقعة جنوب مدينة تمبدغه بنحو ثلاثين كيلومتراً. وينحدر من أسرة عريقة في المجد والقيادة، فهو حفيد مؤسس إمارة مشظوف الأمير محمد محمود ولد لمحيميد، ووالده الفارس المشهور سيدي امحمد ولد محمد محمود، أحد أبرز فرسان الإمارة ومغاويرها، فيما كانت والدته فاطمة بنت ختار من نفس القبيلة الكريمة.

نشأ الشيخ محمد الأمين في بيئة علم وشرف وقيادة، وترعرع إلى جانب أعمامه الذين كان لهم حضور بارز في تاريخ المنطقة، ومن بينهم شيخ الحوض اعلي ولد محمد محمود، وأحمدو ولد محمد محمود الذي عُرف بفروسيته وقيادته العسكرية.

تلقى تعليمه المحظري في صغره، فحفظ من علوم الدين واللغة ما أهله للتفوق في مسيرته العلمية، قبل أن يلتحق بالتعليم النظامي في مدرسة أبناء الأعيان بمدينة تمبدغه، حيث حصل على شهادة ختم الدروس الابتدائية. وبعد ذلك سافر إلى فرنسا لمواصلة دراسته في باريس، ثم عاد إلى وطنه للمساهمة في بناء الدولة الموريتانية الناشئة.

شغل الشيخ محمد الأمين ولد سيدي امحمد عدداً من المناصب الإدارية والسياسية البارزة، من أبرزها:

– مترجم (ترجمان) بمدينة أطار سنة 1957.
– نائب في أول جمعية وطنية موريتانية.
– نائب رئيس الجمعية الوطنية.
– حاكم لمقاطعات أمبود وبومديد ومقطع لحجار وباركيول (الغبرة سابقاً) وسيلبابي.
– والي كيدي ماغا والداخلة عندما كانت إقليماً وطنياً.
– عمدة بلدية تمبدغه من التسعينيات حتى انتخابات 2006.
– نائب عن تمبدغه لعدة مأموريات، وجمع في بعض الفترات بين النيابة والعمدة.
– رئيس رابطة آباء التلاميذ.
– رئيس مكتب الهلال الأحمر الموريتاني.
– رئيس رابطة المنمين بالحوض الشرقي.

وقد عرف خلال مسيرته بالحكمة والحنكة السياسية وقوة الشخصية، كما حظي باحترام السلطات الموريتانية وتقديرها.

أديب مرهف الإحساس

إلى جانب العمل الإداري والسياسي، كان الشيخ محمد الأمين أديباً وشاعراً متميزاً، جمع بين رقة العاطفة وجمال التصوير وقوة التعبير. ومن أشهر إنتاجه الأدبي طلعته المعروفة:

يامس عند الكركارْ
جاوْ إعلينَ خطّارْ
گالو عن بلحبارْ
أهلُو نزلو فَگيلْ
واعلمْ بيهَ بكّارْ
واجحدهَ بيهْ الويلْ
ؤلا حسّيت ابلخبارْ
إلين العاد الليلْ
أمّانَ يالمعبودْ
لُكنتْ اعلمت اگبيلْ
عنهم فَگيلْ انعودْ
گيلتْ اگبيلْ أگيلْ.

ومن روائع شعره أيضاً:

اسبوعِ فالنٌيشاَيْ
متعدٌل يالعَطايْ
ءلا گط امن انتشايْ
الدّنيَ جبرُ حد
زَين اسبوع اكنكايْ
ءُزين اسبُوع المحردْ
غير اسبوع ادبايْ
مَن لَعمَر مَاينعدْ
مُلاه إلّ غَلاهْ
امش عَنٌُ واگعدْ
وابْگيت آنَ مُراهْ
ماشتكيتْ اعل حدْ.

شاعر الإيمان والتضرع
لم يكن شعر الشيخ محمد الأمين مقتصراً على الغزل والعاطفة، بل حمل كذلك نفحات إيمانية صادقة، جسد فيها تعلقه بالله تعالى وتواضعه بين يدي خالقه، ومن أروع ما قال:

ياربِّ عبْدكْ كَانْ اصْرَگْ
ذَنْبْ اشْويْ أَخَفْ امْنْ ابْرَگْ
وَاعل خَلْقَكْ بيهْ اسْتَدْرَگْ
عَالمْ بيكْ انَّكْ عَالمْ بِيــــهْ
وَانْشفْ فَأسْتغْفَاركْ واعْرَگْ
وَانْدمْ فِيهْ ابَّعـــدْ اتْوَاسِيهْ
لَا تَحْــــرَگ يالْقَادرْ تَحْــرَگْ
عَبْـــدكْ بيــــهْ إلَيْنْ انْدمْ فِيهْ.

عندما كان الشيخ محمد الأمين حاكماً بمدينة تجكجة، زاره أمير تكانت الأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد، وأراد أن يستمع إلى شيء من شعره. إلا أن الشيخ محمد الأمين استحيا من إنشاد شعره بحضور الأمير الأكبر سناً ومقاماً، فأمر أحد جلسائه أن ينشد عنه هذه الطلعة:

هاذَ الدهر ابشِي كان
امْن الطّربَ لَژَوانْ
واتلاحيگ الشبان
گايم بيه اسكي بيه

هاذ آخرُ الزمان
لاهِ عت انّويه
انراع فيه ايبان
اشمذ يطر فيه

التگلاب افليام
ءُ ذاك إلْ يانَ تنبيه
عنُّ بيهْ إلِّ گام
ماهُ لاهِ اتمْ بيه.

فطرب الأمير عبد الرحمن لهذا الشعر وقال: “والله يا ابن العم، إن هذا الجناس ما جادت به قريحة أديب قبلك، ولا أظن أنه يأتي بعدك من ينسج على منواله.”

عُرف الشيخ محمد الأمين بالشهامة والكرم والذكاء والفطنة، وكان يوقر العلماء وأهل الفضل، ويضع الناس في منازلهم اللائقة بهم. كما كان مجلسه عامراً بمختلف فئات المجتمع الموريتاني، لا يميز بينهم إلا بالخلق والفضل.

وكان كريماً مضيافاً، محباً لأهله وناسه، شديد الارتباط بمقاطعة تمبدغه وقراها وأريافها، حريصاً على خدمة سكانها والدفاع عن مصالحهم.
تزوج الشيخ محمد الأمين ورزق ببنين وبنات
نجله العمدة السابق لمدينة تمبدغه اعلي ولد الشيخ محمد الأمين

في أواخر سنة 2007 بدأت أعراض المرض تشتد عليه. وقد عرض عليه الرئيس السابق اعلي ولد محمد فال السفر إلى باريس للعلاج، لكنه آثر الرضا بقضاء الله وقدره، محتسباً أمره عند ربه، حتى وافاه الأجل بمدينة تمبدغه.

أشرف على غسله وتجهيزه ابن أخته الشريف العابد بوي أحمد ولد بوي أحمد، رفقة عدد من شرفاء تيشيت، قبل أن يُنقل جثمانه الطاهر إلى مسقط رأسه بقرية ادخين، حيث ووري الثرى إلى جوار والده.

وشهدت تمبدغه يوم رحيله واحدة من أكبر موجات العزاء في تاريخها، إذ تقاطرت الوفود والشخصيات من مختلف أنحاء البلاد لتقديم واجب العزاء في رجل جمع بين هيبة الإمارة وحكمة الإدارة وجمال الأدب وكرم الأخلاق.
وبرحيل الشيخ محمد الأمين ولد سيدي امحمد، طُويت صفحة مشرقة من صفحات التاريخ السياسي والأدبي في موريتانيا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء وخدمة الوطن، تنقل خلالها بين مختلف ربوع البلاد، إدارياً وسياسياً وأديباً، تاركاً بصمات راسخة في ذاكرة الدولة والمجتمع، وسيرة عطرة ستظل حاضرة في وجدان الأجيال.

السلام على روح الشيخ محمد الأمين في العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى