رحلة عمر في طلب العلم وإقامة العدل القاضي أحمدنا ولد محمد ببكر

🔴 من اعلام الحوظ
رحلة عمر في طلب العلم وإقامة العدل
القاضي أحمدنا ولد محمد ببكر
وُلد القاضي أحمدنا ولد محمد ببكر ولد محمد مالك سنة 1932م بمنطقة امزيميد جنوب مدينة آمرج بولاية الحوض الشرقي، في قبيلة أولاد بحمد، فخذ الطلابة. ووالدته هي لالة أمي بنت أحمدنلل، وقد نشأ في بيتٍ عُرف بالعلم والقرآن، وفي بيئةٍ كان حفظ كتاب الله فيها سمةً غالبة، حتى كان أهل المنطقة يقولون: “إذا رأيت عشرةً من رجال الطلابه فسبعةٌ منهم يحفظون القرآن الكريم بإتقان.”
حفظ القرآن الكريم كاملًا في سن مبكرة على يد والده، ثم أخذ السند عن ابن عمه الشيخ محمد بويه ولد اسوادي، لتبدأ بعدها رحلته في طلب العلم.
كانت محطته الأولى عند العلامة ومقدم الطريقة القظفيه الشيخ المحفوظ ولد بيه، حيث نهل من علومه ومعارفه. وخلال إقامته في أقليك أهل بيه، سمع بمعهد أبي تلميت الذي كان قبلةً للطلاب، ويضم اساتذة كبار ، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله ولد الشيخ سيديا، والشيخ محمد عالي ولد عدود، والشيخ محمد ولد أبو مدين.
تردد بين البقاء قريبًا من أهله، حيث كان له إخوة صغار ومجتمعٌ بدوي يعتمد على الترحال، وبين شد الرحال إلى أبي تلميت ومواصلة الدراسة عند الشيخ المحفوظ ولد بيه. وبعد استخارة وتوكل، انتصر شوقه إلى العلم الحديث، فاختار السفر في رحلة شاقة من رحاب جكني إلى أبي تلميت، رغم أنه لم يسبق له السفر قط، لكن كما يقال: “الهمة أقطع من السيف.”
وصل إلى أبي تلميت أواخر سنة 1953م، ونزل ضيفًا على الشيخ عبد الله ولد باب ولد الشيخ سيديا. ولما قص عليه قصة رحلته من أقصى شرق البلاد، سرّ الشيخ بذلك، إذ رأى في قدومه دليلًا على بلوغ صيت المعهد آفاق موريتانيا، كما أعجب بعزيمته وغربته في سبيل العلم، فأكرمه وأحسن وفادته.
وفي شهر رمضان، قدمه الشيخ لإمامة صلاة التراويح بأهل المعهد، ثم خصه بعريش يقيم فيه، وهي منزلة لم تكن تُمنح إلا لقليل من الطلاب، وظل ذلك العريش بعده مأوىً للوافدين من تكانت ولعصابة والحوضين.
لفت القاضي أحمدنا أنظار أساتذته بذكائه واجتهاده، وكان من أوائل من أدركوا أهمية الشهادات النظامية، فحصل على:
شهادة ختم الدروس الإعدادية سنة 1959م بمعهد أبي تلميت.
شهادة الكفاءة في التعليم العربي سنة 1960م.
قاضٍ متدرب بالمحكمة الابتدائية بتونس سنة 1962م.
شهادة الليسانس في الحقوق بالجزائر سنة 1972م.
وكان من جيل تأسيس القضاء الموريتاني الحديث، حيث نجح في مسابقة اختيار اثنين وثلاثين قاضيًا، ثم أوفد إلى تونس ضمن أول بعثة لتكوين القضاة الموريتانيين، إلى جانب نخبة من رجالات القضاء والعلم، منهم الشيخ عبد الله ولد بيه، والمرحوم محمد سالم ولد عدود، والأستاذ محمدن ولد شدو وغيرهم.
وبعد عودته إلى الوطن، زار مسقط رأسه بعد سنوات طويلة قضاها في التحصيل، فوجد مجتمعه ما يزال بعيدًا عن التعليم العصري، فدعا أهله برفق وحكمة إلى إدخال أبنائهم المدارس، إيمانًا منه بأن العلوم الشرعية والتعليم النظامي يكمل أحدهما الآخر.
تولى خلال حياته مناصب عديدة، من أبرزها:
قاضي بالمحكمة الابتدائية بنواكشوط (1963).
رئيس المحكمة الابتدائية بكيفة (1963–1966).
رئيس المحكمة الابتدائية بأطار (1966–1969).
رئيس المحكمة الابتدائية بنواكشوط (1972–1974).
أستاذ بالمدرسة الوطنية للإدارة.
رئيس المحكمة الابتدائية بنواذيبو.
رئيس محكمة الاستئناف بتجكجة.
رئيس محكمة الظفرة الشرعية في بدع زايد بأبوظبي (1977–1987).
إمام ومدرس وواعظ وعضو لجنة الإفتاء بدائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدبي (1988–2000).
باحث أول بدائرة البحوث والدراسات الإسلامية بدبي (2000–2005).
كما درّس في السجن المركزي ومراكز الشرطة بدبي، وأشرف على حلقات علمية لعدد كبير من أبناء الإمارات والجالية المسلمة.
مؤلفاته
ترك عددًا من المؤلفات، منها:
مختصر في فقه العبادات.
المرشد المختصر للحاج والمعتمر.
دروس في فقه العبادات المقارن على مذاهب أهل السنة الأربعة.
كما خلف مئات الفتاوى، وأسهم في إصلاح ذات البين وفض نزاعات قبلية معقدة.
شمائله
عُرف القاضي أحمدنا بعلمه الراسخ، وتمكنه في الفقه والقضاء، وكان مرجعًا في النوازل والأحكام. واشتهر بعدله وإنصافه، فلا يحكم إلا بالحق، بعيدًا عن الهوى أو المحاباة.
وكان كريمًا، لا سيما في الأعياد، يجود على طلاب المحاظر وذوي الحاجة، كما عُرف بتواضعه، وبشاشة وجهه، وحسن خلقه، حتى كان حضوره باعثًا للطمأنينة، وغيابه يترك فراغًا في نفوس من عرفوه.
في عيون الشعراء
حين زار الفنان الكبير بادي ولد حمبار مدينة أطار، والتقى بالقاضي أحمدنا، أنشده هذه الطلعة التي خلدت سيرته:
عاكب ذا من يم التلواد
للطمعة وان انوع التطوار
الحمد لله ال زاد
مشيت الين الحكت اطار
كايس فيه احمدنا مقيم
ساكن للشريعة صريم
عند سيف العلم وسليم
من شي فيه مسايل لكثار
فيه الدين وفلحكم اطميم
مايحكم كون الحكم اشهار
ماعند فالحكم اتخمخيم
بيه كبر الخوف من النار
والقضاة لتحتو رحيم
معاهم طبع ماه حار
مخطط وياهم تنظيم
اتفكو من عين النظار
فم ايدل علنو مهم
بعد طرد اشرع لستعمار
مع كاع انو احمدنا ول
خيمت علم وخيمت محفل
هذا كامل ما يجمل
غير العالم باط وتطوار
منادم ماعندو محل
لاهي يجبر كثرت لخبار.
ولما نُقل من أطار بعد أن كان قاضيها، ودعه بعض أدبائها بهذه بكاف وبعض اطلع:
كنا عنك قاضي تنكاس
ماكيفك قاضي ياحمدنا
وذاك لكنا كدام الناس
ياحمدنا كناه وحدنا.
طبعك طول الدهر وتكياع
فالمعط لجات الطماع
وطبعك ياحمدنا وسع الباع
ماريتك تجلج ساعة
ماني حاسبلك طبعك كاع
طبعك كاع فكل اجماعة
هو طبع الناس الرفاع
ولاد الناس الرفاعة.
معلوم ولا تشتف للحال
مواسي ولك الساعة
مانك لاهي ترخس محال
مافيك من الرخسة ساعة
ذاك الي تعطي يوم العيد
للناس وتعطي لتلاميد
الغربة وكهولت لمسيد
يعمل يحمدنا محتة
بيه اذنوبك عند المجيد
بركت مول الشفاعة.
وفاش اندورو ذاك ايتم
لاتمشي عنا فالوت
مفكتي خلي حد ايتم
يمشي مفكتي ماه انت.
تزوج القاضي أحمدنا، ورُزق أبناءً وبنات، وظل حتى آخر أيامه معلّمًا ومصلحًا ومرجعًا في القضاء والفقه.
وفي يوم السبت 31 يوليو 2005، انتقل إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالعلم، والقضاء، والتعليم، والإصلاح،
وبرحيل القاضي أحمدنا ولد محمد ببكر، طُويت صفحة مشرقة من صفحات السعي في طلب العلم، والتغرّب في سبيله، وعلو الهمة، والصبر على مشاق التحصيل. فقد أفنى عمره في خدمة الشريعة والقضاء، وجعل علمه نفعًا للناس، وسخّر مكانته للإصلاح، وظل محبًا للخير، قريبًا من المحتاجين، حتى لقي ربه، تاركًا سيرةً عطرة وإرثًا علميًا وإنسانيًا سيبقى شاهدًا على حياته.
السلام على روح القاضي احمدنا ولد محمد ببكر في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين.

