أخبار

سيرة شيخ قبيلة وحارس الهوية في باسكنو سيدي ولد حنن

من اعلام الحوظ

سيرة شيخ القبيلة وحارس الهوية في باسكنو

سيدي ولد حنن

 

وُلد سيدي ولد حنن ولد الشيخ ولد سيدي ولد هنون سنة 1913م، في كنف قبيلة أولاد داوود، لأمٍ هي لخذيره بنت عبد الرحمن من قبيلة داوود أمحمد. ولم يكد يفتح عينيه على الدنيا حتى فقد والدته، فتولّت جدته لأمه، هند بنت محمد ولد أعل (أولاد علوش)، رعايته واحتضانه، فكانت له الأم والسند في سنوات التكوين الأولى.

بدأ مسيرته العلمية مبكراً، درس القرآن الكريم وهو في الخامسة من عمره، وتلقى جملة من المتون الفقهية على مشايخ عصره، حتى تشكّلت لديه معرفة معتبرة بأحكام الدين، جعلته في نظر الكثيرين في عداد فقيه.

ومع نضوجه واشتداد عوده، تولّى مشيخة قبيلة أولاد داوود سنة 1956م، خلفاً لوالده، في ظرف تاريخي بالغ الحساسية؛ حيث كانت البلاد على أعتاب الاستقلال، وتتعالى أصوات وتيارات تدعو للانتماء إلى دول الجوار، خاصة مالي، بل إن بعض القبائل انجرفت وراء تلك الدعوات وهاجرت إليها. غير أن سيدي ولد حنن أظهر في تلك اللحظة الفارقة حكمة نادرة وبصيرة نافذة، فثبت على موقفه، واعتبر نفسه وقبيلته جزءاً لا يتجزأ من موريتانيا، رافضاً كل أشكال المساومة أو الميل إلى الخارج، ومؤمناً بأن الوطن لا يُقاس إلا بالانتماء الصادق إليه.

وقد واكب هذا الموقف الوطني الصلب وعيٌ ديني راسخ، حيث أحاط نفسه بعدد من العلماء والفقهاء، من بينهم الفقيه محمد الأمين ولد باريك، وأبو ولد جوتي، وشيخ المحظرة آبه ولد تقي الله ولد الطالب عبد الله، رحمهم الله جميعاً.

وفي منطقة باسكنو، ذات التعقيد الجغرافي والاجتماعي، حيث تتداخل الحدود مع مالي وإقليم أزواد، وتتعدد المكونات البشرية من عرب وعجم وزنوج وصنهاجة وغيرهم، استطاع سيدي ولد حنن أن يفرض الأمن ويُرسّخ السكينة، بفضل شخصيته المهابة وحكمته في إدارة شؤون الناس.

عُرف عنه صدق الحديث وحب الصراحة، فكان من يلجأ إليه في نازلة ويصارحه بالحقيقة، يجد منه العفو والمساعدة. كما حظي بتقدير كبير من السلطات الموريتانية، التي كانت تحرص على زيارته في منزله، حيث ظل بيته عنواناً للهيبة والوقار.

ومن المواقف الدالة على شخصيته، أن الرئيس المختار ولد داداه، رحمه الله، لما زاره في باسكنو، همّ بدخول بيته منتعلاً، فنهاه سيدي عن ذلك قائلاً إن هذا البيت لا يُدخله أحد بحذائه، فامتثل الرئيس وخلع نعليه احتراماً، في مشهد يعكس مكانة الرجل وهيبته.

كما رفض سيدي ولد حنن طلباً من الملك محمد الخامس، حمله مبعوثه المرتجي ولد مولاي بو فارس، يتعلق بفتح الطريق ومساندة جيش التحرير، متمسكاً بموقفه الوطني المستقل. ولم يختلف موقفه حين طُرحت دعوات للانضمام إلى المغرب، إذ واجهها بالحكمة والنصح. ويُروى أن لقاءه بمحمد فال ولد عمير في المدينة المنورة أثناء الحج، كان مناسبة قدّم فيها نصيحة صادقة بالعودة إلى الوطن، وهي نصيحة يُرجّح أنها أسهمت في عودته لاحقاً.

تزوج سيدي ولد حنن، وأنجب عدداً من الأبناء والبنات، من بينهم الوزير والدبلوماسي والباحث أحمدو ولد سيدي، والسيناتور السابق والطبيب المختص في الأنف والأذن والحنجرة الشيخ ولد سيدي.

وفي مايو سنة 1991، أسلم الروح إلى بارئها، بعد حياة حافلة بالعطاء، قضاها في ترسيخ الأمن، وصون الهوية، وبسط الهيبة في منطقة باسكنو.

رحم الله سيدي ولد حنن، فقد كان نموذجاً للشيخ الذي جمع بين الحكمة، والثبات، والوفاء للوطن.

رثاه الأدباء والشعراء والعلماء نأخذ مرثية العلامة الفقيه

مختار ولد امحيمدات

أقلبك مزقته كارثة العصر

وتسكب عيناك الدموع على الصدر

فتلك على الحوضين أدهى مصيبة يسجلها التاريخ من سالف الدهر

ومالي شمالها إلى أزوادها

من البيض والسودان من عالم العصر

لقد خيمت على الجميع وأسدلـت بهم ظلمات الموج من لجج البحر

ألا وهي فقدان الأمير الذي على قبيلته أولاد داود كالبدر

ألا إنه سيدي ابن هنون ياله

من المجد والتقوى ومن سائر الفخر

لقد مد عمره جناحي عدالة

على ارضه على العمارة والقفر

وإن أعضل الأمر الفظيع يحله ويصرف عسره إلى جانب اليسر

بإذن من الرحمن والكل عالم

بصدق نسيج ذا القريض من الشعر

وأعطاه رب العالمين مهابة

من الناس حتى من ذوي الشر والمكر

على رغم أنف الكل والله غالب

على الأمر كله من النفع والضر

فأرجو من الله العلي القدير أن يوسع للفقيد في داخل القبر

ويدخله فسيح جناته غدا

بدون حساب ساعة الحشر والنشر

وأباءنا والأمهات جميعهم

كذلك والأنهار من تحتهم تجري

ومن حلل النعيم يلبسهم ومن حرير ولؤلؤ ومن سندس خضر

وأن يرفع الرحمن أحمدو نجله

إلى مستوى أعلى اعتزازًا وفي النصر

وأسرة هنون جميعا بعزة

على أثر الأسلاف في أعمق السر

ويرفعنا معا إلى قمة الورى

وذروة أعلى المجد دهرًا على دهر

كذا أهل باسكنو الذين تقلهم أراضيه في الآفاق عصرًا على عصر

وأن يدحض الحساد هونًا وذلة

إلى جانبي بحبوحة الهون والشر

وصلى على النبي ما الشمس أشرقت

وسلم ربنا إلى مطلع الفجر.

السلام على روح سيدي ولد حنن في العالمين وبارك في عقبه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى