ثقافة

من أعلام الحوظ

النائب والوجيه الكبير

 

محفوظ ولد سيدي ولد خطري القلاوي نسبًا، من فخذ أهل الحاج عبد الرحمن ولد الحاج ألمين، ولد عام 1926 أو 1928م، وتحديدًا في عام لحشيش الذي يُؤرَّخ به في منطقة الحوض. نشأ في بيت عزٍّ وشهامة، وينحدر من أسرة عُرفت بالمكانة الاجتماعية والوجاهة.

والدته هي مريم بنت محمد أجيد ولد أحمد الحاج القلاوية، وطنًا، إدليمية نسبًا.

تلقى تعليمه المحظري في محظرة أهل محمد عبد الله ولد الإمام، التي كانت تُعد من أعرق المحاظر آنذاك، حيث حفظ فيها القرآن الكريم، ودرس بعض المتون الفقهية ومتون النحو. غير أن ظروف العائلة حالت دون إتمامه لمشواره العلمي المحظري.

وفي سن الخامسة عشرة، أسند إليه والده تحمّل هموم المجتمع، وهي مسؤولية مبكرة كان لها بالغ الأثر في تكوين شخصيته وصقل نظرته العميقة لشؤون الحياة والناس.

وخلال فترة الاستعمار، اعتُقل في دولة مالي عدد من أبناء عمومته، فشدّ الرحال لمعالجة تلك النازلة، وتابعها بحكمة وهدوء، متحملًا قسوة الظروف، حتى تمكّن من إطلاق سراحهم، وهو لم يُكمل عقده الثاني بعد.

وقد لفت الأنظار إليه في تلك الرحلة حين فُجِع الوفد بوفاة كبيرهم، فاقترح بعضهم العودة أدراجهم، لكنه بادر قائلًا: «خرجنا من أجل مهمة، ولن نعود دون إنجازها؛ ندفن ابن عمنا ونواصل المسيرة». فشرح الله صدور القوم، وكان ذلك أول اختبار حقيقي لحنكته القيادية، حيث كان يخدمهم في السفر، ويتصدر المرافعات، حتى تُوّجت المهمة بالنجاح.

بعد ذلك، بدأت تتجلى فيه صفات السؤدد، والحكمة، والأهلية للريادة. شارك في مسابقة امتحان المعلمين ونجح فيها، لتكون تلك أول وظيفة رسمية له في ظل الدولة الموريتانية الفتية، ثم عُيِّن مديرًا لمدارس ابن عامر بمقاطعة جكني.

وكان رحمه الله محبًا للتصوف، خاصة الطريقة الحموية التي كان غالب مجتمعه ينتسب إليها، كما جمع بينها وبين الطريقة القادرية، نظرًا لتتلمذ والدته على الشيخ التراد ولد العباس، فجمع بين الطريقتين الميمونتين.

ويُعد محفوظ ولد خطري من المؤسسين لمقاطعة جكني ومدينة جكني، إذ كان منزله من أوائل المنازل فيها. وقد جرى اتفاق مع رئيس الجمهورية آنذاك المختار ولد داداه، صدر بموجبه مرسوم رئاسي يقضي بجعل جكني مركزًا إداريًا، وتعيين أحد أبناء عمومته رئيسًا له، لتكون تلك الخطوة بداية إشعاع المقاطعة.

عُرف عن الفقيد قدرته الفائقة على فضّ النزاعات وحل الخصومات، سواء داخل منطقته، أو حيثما وُجد مجتمعه، أو في النزاعات الحدودية مع الجارة مالي. وكان عرّاب صلح سنة 2000م بين الماليين والموريتانيين، بحضور سلطات البلدين، حيث ألقى خطابًا مؤثرًا ذكّر فيه بروابط الإسلام وحقوق الجوار والأخوة، فجنّب المنطقة فتنةً ودماء لا تُحمد عقباها.

ومع بداية المسار الديمقراطي، ترشح نائبًا في البرلمان في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وظل حاضرًا في الشأن العام حتى وفاته رحمه الله.

وقد امتدحه الشعراء، ومنهم

باب ولد هدار الذي وفد عليه فأكرم وفادته، فقال:

خمسة مصتحبين الصحب

لصليه واكران افذالحوظ

كبرالخيم وغلظ الحسب

لمرووالدين ومحفوظ.

 

ويقول له أحد لمغنيين:

يورا كبر الخيم ايورا

غلظ الحسبه مامحكورا

لمرووا عادت صيروره

والدين ال ماه مفروظ

وكتن خلط عادو صورا

محفوظه ففعايل محفوظ.

وهو ما يعكس مكانته الرفيعة وذيوع صيته.

تزوج محفوظ ولد خطري قبل بلوغه العشرين من بنت عمه، ورُزق بنين وبنات، فغرس فيهم القيم النبيلة من تواضع، وطلب للعلم، وصلة للأرحام، وغيرة على الدين.

ومن خصاله الحميدة أنه كان يرفض الاحتفال عند فوز لائحته، معتبرًا أن الخصومة لا تخرج عن كونها إخوة وأهلًا.

وكان لا يتناول الطعام بمفرده ابدا.

وفي مطلع عام 2010م، أُصيب بوعكة صحية نُقل على إثرها إلى العاصمة، غير أن المنية وافته في مدينة لعيون، ليُوارى جسده الطاهر الثرى في 28 فبراير 2010م بين لميلح وتمبدغه.

وشهدت مدينة جكني أكبر عزاء في تاريخها، حيث توافدت الوفود من مختلف أنحاء الوطن، موالاةً ومعارضة، علماء وفقهاء، وقادة أمنيين، ومشايخ صوفية، في مصابٍ جلل.

وقد رثاه الكثير من الشعراء ولمغنيين، ومن ذلك قول:

إنتقينى طلعة في البت لكبير

قالها المفوض محمد عبد الله ولد انكوده:

شيخ أهل حاج عبد الرحمن شيخ لقلال محفوظ عين لعيان

اكبير الخيم و اصيت و اشان ولد سيد ولد خطر بيت مال

المسلمين وزريبت المــــان امش وامش الكرم والتعدال

الحســان والفايد وامر ازمان ذ كامل امش افمحفوظ عاد قال

الرحمــه ياللــه والرضـــوان أل محفوظ والضاعيف لعمال

الصالحــه أنعيــم الجنــــــان يالله و أراه بارك أفـــلعيــال

ألا اتل حد اعليـــه يعــــول أفش كان لا اتسول و اتسال

متعدل إواسيه محفـوظ ول سيد ولد خطر شيخ لقـــــلال.

 

السلام على روح محفوظ ولد خطري في العالمين وبارك في عقبه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى