موريتانيا ومالي بين حسن الجوار ومنطق التصعيد

موريتانيا ومالي بين حسن الجوار ومنطق التصعيد قراءة في دلالات التوقيت وتحولات السياق الإقليمي
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتقاطع فيها أزمات الساحل مع اضطرابات النظام الدولي عادت التوترات بين موريتانيا ومالي إلى الواجهة بصورة حادة ومفاجئة الأمر الذي يطرح سؤالا حقيقيا حول دلالات التوقيت وخلفيات التصعيد وما إذا كان يعكس تحولا استراتيجيا أم مجرد ارتباك ظرفي داخل بنية الحكم في باماكو
لقد التزمت موريتانيا خلال السنوات الماضية بسياسة واضحة تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة وقد تجلى ذلك في تعاطيها مع الأزمة المالية حيث فتحت أراضيها للاجئين واستوعبت تداعيات الانهيار الأمني في الشمال المالي دون أن تنخرط في أي اصطفاف عدائي أو خطاب تصعيدي بل حرصت على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وتجنب أي سلوك يمكن أن يفسر كتهديد مباشر
غير أن السلوك المالي في الفترة الأخيرة يبدو وكأنه ينزاح تدريجيا عن هذا الإطار
فبين بيانات رسمية تحمل اتهامات ضمنية أو مباشرة وبين حوادث ميدانية دامية طالت مدنيين موريتانيين تتشكل صورة مقلقة توحي بأن هناك تحولا في نظرة باماكو إلى نواكشوط ليس بوصفها جارًا محايدًا ولكن بوصفها فاعلا يجب الضغط عليه أو تحجيم دوره
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الداخلي في مالي حيث تواجه السلطة العسكرية تحديات أمنية عميقة وعجزا واضحا عن حسم الصراع مع الجماعات المسلحة وهو ما يدفعها تقليديا إلى البحث عن روايات بديلة تعيد توجيه الانتباه نحو الخارج فتصبح الحدود مجالا لإسقاط الإخفاقات وتتحول الدول المجاورة إلى أطراف ضمنية في الأزمة حتى وإن لم تكن كذلك
لكن التفسير الداخلي وحده لا يكفي فالتوقيت يحمل دلالات أوسع ترتبط بالبيئة الدولية الراهنة حيث يشهد العالم توترا متصاعدا على خلفية الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وهو صراع أعاد ترتيب أولويات القوى الكبرى وخلق حالة من الانشغال الدولي تقل فيها القدرة على متابعة أزمات الأطراف مثل منطقة الساحل
في هذا السياق قد ترى مالي أن هامش الحركة أصبح أوسع وأن تكلفة التصعيد أقل خاصة مع انشغال الاتحاد الأوروبي بأزماته الطاقوية والاقتصادية الناتجة عن اضطراب أسواق النفط والغاز وهو ما يقلل من احتمالات الضغط الأوروبي الفعال لصالح موريتانيا كما كان يمكن أن يحدث في ظروف أكثر استقرارا
إلى جانب ذلك تبرز روسيا بوصفها حليفا استراتيجيا لمالي ضمن ما يعرف بسياسة المحاور حيث تسعى موسكو إلى توسيع نفوذها في إفريقيا مستفيدة من تراجع الحضور الغربي ومن حاجة الأنظمة العسكرية إلى دعم أمني سريع وغير مشروط وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميا نتيجة التوترات الدولية فإن روسيا تعد من أبرز المستفيدين وهو ما يعزز قدرتها على تمويل نفوذها الخارجي وتثبيت شركائها
هذا المعطى قد يغري باماكو بتبني مواقف أكثر جرأة بل وربما أكثر تصادمية اعتمادا على غطاء سياسي وأمني روسي ولو بشكل غير مباشر خاصة إذا اعتقدت أن ميزان القوى الدولي في لحظة تحول لصالح هذا المعسكر
ولا يمكن إغفال عامل الإمارات العربية المتحدة التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع موريتانيا والتي تشهد بدورها انخراطا في ملفات إقليمية معقدة مما قد يحد مؤقتا من قدرتها على لعب دور داعم مباشر في أي توتر ناشئ في الساحل وهو ما قد يفسر لدى بعض دوائر القرار في مالي كفرصة سانحة لاختبار حدود الموقف الموريتاني
مع ذلك فإن القول بأن مالي تضمر نية حرب وشيكة ضد موريتانيا يظل استنتاجا متسرعا فالمعطيات الميدانية لا تشير إلى استعداد عسكري حقيقي لمواجهة مفتوحة كما أن كلفة الحرب بالنسبة لمالي ستكون باهظة في ظل هشاشتها الداخلية
الأقرب إلى الواقع هو أن ما يجري يمثل مزيجا من الضغط السياسي والاستعراض العسكري ومحاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك على الحدود أكثر من كونه مقدمة لحرب تقليدية ومع ذلك فإن خطورة الوضع تكمن في أن تراكم الأخطاء والتقديرات الخاطئة قد يدفع الأمور إلى ما لا تحمد عقباه
إن استمرار الاستفزازات أو تكرار الحوادث ضد المدنيين قد يضع موريتانيا أمام خيارات صعبة تتجاوز سياسة ضبط النفس وهو ما قد يفتح الباب أمام تصعيد تدريجي غير محسوب
في المحصلة لا يبدو أن الحرب حتمية ولا أنها قريبة بالضرورة لكن البيئة التي تتشكل حاليا تحمل عناصر عدم استقرار حقيقية حيث تتقاطع هشاشة الداخل المالي مع تحولات النظام الدولي وانشغال القوى الكبرى مما يخلق فراغا استراتيجيا قد يغري بالمغامرة
ويبقى الرهان الأساسي على قدرة موريتانيا على التمسك بعقيدتها الدبلوماسية القائمة على التهدئة دون التفريط في أمنها وعلى إدراك مالي أن استقرار علاقتها مع موريتانيا ضرورة لبقائها ذاته كدولة في محيط مضطرب
مولاي محمد الصادق
استاذ وكاتب صحفي




