بوياكي ولد عابدين سيرة مناضل وطني لايساوم

🔴 من اعلام الحوظ
بوياكي ولد عابدين…
سيرة مناضل وطني لايساوم
وُلد بوياكي ولد عابدين حوالي سنة 1915م في ضواحي تمبدغه، وينتمي إلى فخذ أهل اعل ولد إبراهيم المشظوفي.
والدته فاطمة بنت اعمر ولد إبراهيم من فخذ لعمر المشظوفية، وهو الابن الأكبر لوالده، وقد نشأ في بيت عزٍّ وشهامة، عُرف بالقيم والكرم والتربية الصارمة.
تعلّم القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية في سن مبكرة، ثم التحق بالمدارس النظامية، حيث أهّله ذكاؤه ونبوغه للالتحاق بـ إعدادية تراسون في مالي، وواصل دراسته هناك حتى تخرّج سنة 1933م مفتشًا للبريد.
الدخول إلى العمل السياسي
في مطلع الأربعينيات، دخل المعترك السياسي مبكرًا، منخرطًا مع نخبة من رواد اليسار الإفريقي آنذاك، من بينهم ميديبو كيتا وشيخو تورى.
وبسبب تأثره بالأفكار التحررية والخطابات المناهضة للاستعمار، خاصة تلك التي كانت تبثها إذاعة صوت العرب من القاهرة، اصطدم بالمستعمر الفرنسي، فتم اعتقاله في الخمسينيات، ثم نُفي إلى الجزائر، ووُضع لاحقًا تحت تصرف والي إفريقيا الغربية الفرنسية على الحدود الجزائرية–المالية.
بعد عودته من المنفى، شارك رفقة أحمدو ولد حرمه ولد ببانه في تأسيس حزب النهضة بمدينة كيهيدي، وهو حزب ذو مرجعية إسلامية ووطنية واضحة.
وانضم للحزب عدد من القيادات الشابة البارزة آنذاك، من بينهم:
أحمد بابه ولد أحمد مسكه
يحي ولد منكوس
هيبه ولد همدي
بنب ولد يزيد
عارض حزب النهضة بشدة مؤتمر ألاگ سنة 1958م، واعتبره مجرد تنفيذ لأجندات استعمارية جديدة، ورفع شعار «لا تنازلات».
وكان من سمات الحزب التشبث بالإسلام، حيث كُتبت الآية الكريمة على بطاقة الانتساب:
{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}
وقد حقق الحزب انتشارًا واسعًا واكتساحًا شعبيًا في عموم التراب الوطني، رافضًا كل مشاريع الاستعمار حتى بعد الاستقلال، باعتبارها وجهًا جديدًا له.
أمام هذا الزخم الشعبي، اضطرت قيادة حزب التجمع برئاسة المختار ولد داداه إلى فتح مفاوضات مع حزب النهضة لتشكيل هيئة سياسية موحدة.
فتم استدعاء بوياكي ورفاقه لأول مرة إلى نواكشوط، التي كانت محظورة عليهم، حيث حظوا باستقبال شعبي غير مسبوق من المطار إلى دار الضيافة في لكصر.
لكن المفاوضات تعثرت بسبب تمسك النهضويين بمبادئهم، ما دفع السلطات إلى اعتقالهم وسجنهم في تيشيت، حيث نُقلوا بطائرة خاصة حتى لا يؤثر حضورهم على احتفالات الاستقلال.
وفي السجن، جسّد بوياكي ورفاقه أسمى معاني الوطنية، إذ قاموا بغرس الأشجار وزراعة الخضروات، حتى تحوّل سجن تيشيت إلى ما يشبه الجنينة.
سنة 1961م انعقدت الطاولة المستديرة التي ضمّت مختلف الأحزاب والتيارات، بما فيها حزب النهضة، وأسفرت عن ترشيح المختار ولد داداه رئيسًا وحيدًا، ثم إدماج الأحزاب في مؤتمر حزب الوحدة، الذي نتج عنه تأسيس حزب الشعب يوم 25 ديسمبر 1965م كحزب دولة واحد.
وكان حزب النهضة قد صادق على دستور 1961م، وأسندت لبوياكي ولد عابدين حقيبة وزارة النقل والبريد والمواصلات، حيث عمل بتفانٍ وإخلاص.
ومن أبرز إنجازاته:
_تأسيس الخطوط الجوية _الموريتانية، وشراء أول طائرة من إسبانيا بدل فرنسا
_حل شركة النقل الفرنسية LACOM وتعويضها بالنقل الوطني
_وضع اللبنات الأولى للبريد والمواصلات الوطنية
في 30 مارس 1962م، وقعت عملية اعمارت النعمة التي استهدفت مقرات فرنسية، وأُعدم على إثرها:
الشريف اماعلي ولد احبيب
الشيخ ولد الفاظل
اسويدات
وبعد صدور هذه الأحكام، قدّم بوياكي ولد عابدين استقالته من الحكومة، لتكون أول استقالة في تاريخ الدولة الموريتانية، موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا نادرًا.
اتجه بعدها إلى القطاع الخاص، وأنشأ شركة نفذت عدة مشاريع، بالشراكة مع رجل الأعمال بمب ولد سيدي بادي، كما أسس جريدة «صرخة الشعب» التي أُحرقت معداتها بسبب جرأتها.
عُرف بوياكي بالكرم، وسعة الصدر، وعدم حمل الأحقاد، وتوقير العلماء والأولياء.
ويُروى عنه أنه قال عند تزامن زيارة الرئيس المختار ولد داداه لتمبدغه مع قدوم الشيخ الجليل الشيخ موسى:
«والله إني لأشد فرحًا بقدوم الشيخ موسى من قدوم الرئيس»
في دلالة على عظيم مكانة أهل العلم عنده.
تزوج بوياكي ورزق ببنين وبنات
وفي سنة 1970م، توفي الوزير والسياسي الواضح رحمه الله، بعد معاناة مع مرض في الرئة يُرجّح أنه السرطان، حيث دفن بمقبرة لكصر بالعاصمة انواكشوط
شكّلت وفاة بوياكي ولد عابدين خسارةً كبيرةً للوطن الموريتاني، لما كان يتمتع به من حنكةٍ سياسية وروحٍ وطنية عالية، وقدرةٍ لافتة على العمل والإنجاز، حيث استطاع، في فترة زمنية وجيزة، وضع أسس مؤسسات وطنية ما زال أثرها حاضرًا في مسار بناء الدولة.
برحيله فقدت موريتانيا شخصية وطنية جسورة، لا تساوم، ولا تعترف للمستعمر بوزن.
السلام على روح بوياكي ولد عابدين في العالمين




