من أعلام الحوظ سيرة رجل دولة جمع بين الكرم وخدمة الوطن محمد لنه ولد عبد المالك

من اعلام الحوظ
سيرة رجل دولة جمع بين الكرم وخدمة الوطن
محمد لنه ولد عبد المالك
من ولاتة التاريخ والعلم إلى عدل بكرو، حيث ترك بصمته في تأسيس مدينة حدودية، امتدت مسيرة محمد لنه ولد سيدي محمد ولد عبد المالك بين العمل الإداري وخدمة المواطنين، وعُرف بالتقوى والكرم وصلة الأرحام، وظل بيته مفتوحًا للضيوف وطلاب العلم والمحتاجين.
وُلد محمد لنه ولد سيدي محمد ولد عبد المالك بمدينة ولاتة سنة 1927م، في هذه المدينة العريقة التي ظلت عبر تاريخها منارة للعلم والأصالة والثقافة، وينتمي إلى قبيلة أولاد داوود المعروفة.
والدته هي مينه بنت اب عيني، ابنة عمه، وكان وحيد أمه، الأمر الذي جعله يحظى بمكانة خاصة لدى أخواله، فيما نشأ في بيت علم وقضاء، فوالده هو القاضي سيدي محمد ولد عبد المالك، أحد قضاة مدينة ولاتة، الذي اشتهر بالحكمة والفصل في الخصومات، حتى قيل فيه:
أل قال القاضي ماضي
وأل قال اكيك انواسوه.
نشأ محمد في كنف والده العالم الجليل، الذي تولى تعليمه وتوجيهه منذ نعومة أظفاره، كما حفظ القرآن الكريم على يد خاله العالم الجليل اب ولد جودتي. وقد أحاطه الرجلان بعنايتهما، فلم يدخرا عنه علمًا ولا معرفة، فكانت نشأته الأولى مؤسسة على القرآن والتربية الدينية والقيم الأصيلة.
ومنذ صغره، ظهرت عليه علامات الذكاء والنباهة، إلى جانب ما اتسم به من ورع وتقوى وزهد، وهي خصال لازمته طوال حياته، وأسهمت في تميزه بين أقرانه وفي محيطه الاجتماعي.
شاءت الأقدار أن يتلقى تعليمه في مدارس المستعمر، وهو ما أتاح له الاطلاع على ثقافة الآخر وإتقان اللغة الفرنسية، التي كانت لغة الإدارة الرسمية آنذاك. وقد مكّنه ذلك من الالتحاق بسلك الترجمة، المعروف محليًا باسم «إملاص»، وهي وظيفة كانت ذات أهمية كبيرة في تلك المرحلة.
لم يكن عمله مجرد وظيفة إدارية، بل شكّل مدرسة ميدانية أتاحت له التنقل بين مناطق مختلفة من البلاد، والتعرف عن قرب على الأرض والسكان، وتوسيع دائرة علاقاته، وتعميق فهمه للمجتمع الموريتاني وخصوصياته.
وقد تدرج في المسؤوليات الإدارية، متنقلًا بين عدد من المدن والمناطق، وفق المسار الآتي:
– أكجوجت سنة 1945.
– تمبدغه سنة 1947.
– العيون سنة 1950.
– كيفه سنة 1954.
– النعمة سنة 1958.
– حاكم المركز الإداري في عدل بكرو سنة 1964.
– محرر إداري بوزارة الداخلية سنة 1974، حيث ظل يعمل حتى تقاعده سنة 1977.
وقد أسهم هذا المسار الطويل في صقل شخصيته وتوسيع معارفه، كما أكسبه احترام من تعاملوا معه، بفضل ما جمع فيه بين الذكاء وحسن المعاملة والقدرة على التواصل مع مختلف الفئات.
تظل تجربة محمد ولد سيدي محمد ولد عبد المالك في عدل بكرو من أبرز المحطات في مسيرته، إذ يُنسب إليه الفضل في تأسيس المدينة ووضع اللبنات الأولى لمركزها الإداري، الذي أصبح لاحقًا إحدى أهم المدن التجارية في الشرق الموريتاني، بما تتميز به من نشاط اقتصادي وحركة تجارية متواصلة.
وفي مرحلة التأسيس، كانت المنطقة بحاجة إلى إدارة قادرة على تنظيم شؤون السكان، وترسيخ حضور الدولة، وضبط الحدود. وقد اضطلع الرجل بدور بارز في هذه المهمة، مستفيدًا من خبرته الإدارية ومعرفته بالمجتمع المحلي.
وتذكر الروايات المتداولة عنه أنه أسهم في الحد من تمدد النفوذ المالي داخل المنطقة الحدودية وكبح جماح أطماعه، كما عمل على إيجاد وسائل عملية للتمييز بين المواطنين الموريتانيين والماليين، حتى إنه استطاع استخراج وثيقة هوية بوسائل بدائية في تلك الفترة، في ظل محدودية الإمكانات الإدارية.
وحين دُشّن المركز الإداري، لم يكن معه سوى عنصر واحد من الحرس، غير أنه كان يحمل همّة كبيرة ورؤية إدارية استمدهما من بيئته الولّاتية، المعروفة بالتخطيط والصبر والاعتماد على النفس وعدم ظلم الآخر.
ولم يقتصر اهتمامه على الإدارة وتنظيم شؤون السكان، بل امتد إلى الجوانب الدينية والاجتماعية؛ إذ يُنسب إليه بناء أول جامع في المنطقة ، وإقامة أول صلاة جمعة في منطقة كوش، في خطوة عكست اهتمامه بترسيخ الحياة الدينية والاجتماعية إلى جانب بناء مؤسسات الدولة.
كما ارتبط اسمه بتأسيس سوق عدل بكرو، الذي كان منطلقًا مهمًا لتنشيط الحركة التجارية في المنطقة. وعندما اجتمع به الأهالي وطلبوا مساعدته في إقامة السوق، بادر بالتطوع بنصف راتبه للمساهمة في إنجاز المشروع، في موقف يجسد روح التضحية والمسؤولية التي تحلى بها.
إلى جانب حضوره الإداري والاجتماعي، عُرف الراحل، بشهادة من عاصروه، بالتقوى والورع والمحافظة على الصلاة، وكثرة التردد على المساجد، فضلًا عن صيامه وقيامه الليل منذ شبابه.
وتروي الشهادات أنه كان يقضي جزءًا كبيرًا من الليل في العبادة، وأنه اعتاد إيقاظ من يبيتون في منزله لصلاة الفجر، بل كان يرش أبناءه بالماء ليحثهم على النهوض، مرددًا بصوته المرتفع:
«قوموا نحو ربكم فصلوا، فإن الله يرض بالحسين»، بفتح الحاء.
ولم تكن العبادة عنده مجرد أقوال أو ممارسات فردية، بل كانت سلوكًا يوميًا انعكس على معاملته للناس، وعلى تربيته لأبنائه، وعلى علاقته بالفقراء والمساكين وكل من احتاج إلى المساعدة.
كان الكرم من أبرز خصاله، وقد عُرف بأنه لا يحتفظ لنفسه بشيء إذا وجد من يحتاج إليه، وكان من الذين يؤثرون على أنفسهم، فيعطي ما لديه دون تردد، مرددًا عبارة «بقي الله وكفى»، في تعبير عن ثقته بالله وتوكله عليه.
وكان منزله مفتوحًا أمام الأقارب والأصدقاء والضيوف، كما كان ملاذًا للفقراء والمساكين واليتامى والمعوزين، وللقادمين إلى المدينة طلبًا للدراسة أو العلاج أو الراحة. ولم يكن يميز بين قريب وغريب، بل كان يستقبل الجميع بالبشاشة والترحاب، ويجد في قدوم الضيوف مناسبة لحمد الله وشكره.
وقد ترك كرمه أثرًا واضحًا في الذاكرة الشعبية والأدبية، فخلّد الشعراء والأدباء جوانب من شخصيته في أشعارهم، ومن بينهم الفنان الكبير الشيخ سيد أحمد البكاي ولد عو، رحمه الله، الذي قال في كافه الشهير:
من عند اهلن أنحك الحارك
نافد ول انه ول عبد المالك.
كما قال الأديب ولد القصري:
ريت الناس ال نلاقها
ال من وال ماهو منه
وتكرر زاد فمرياه
ول انه ول انه وأنه
ياسر زاد أسمعناها
قبل أنجو من عند اهلن
ويقطع بالدنيا مخلاه
يلو ماجبرت ول انه.
وقد تداول الناس هذه الأشعار وغيرها، لتبقى شاهدًا على المكانة التي احتلها الرجل في محيطه، وعلى ما عُرف به من سخاء وحسن استقبال وإحسان إلى الناس.
كان محمدلنه ولد عبد المالك شديد الاهتمام بالعلم والتعلم، وجعل تعليم أبنائه أولوية في حياته، فحرص على تربيتهم تربية حسنة، وغرس فيهم قيم العبادة والصدق والإحسان واحترام الناس.
وقد كان يعلّمهم بالأفعال قبل الأقوال، من خلال المحافظة على الصلاة، والصدقة، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، والإحسان إلى الجيران والأصدقاء. كما أدى فريضة الحج واعتمر مرات عدة، في تجسيد لارتباطه بالشعائر الدينية.
ولم يترك أبناءه دون تعليم أو عناية، بل تابع مسيرتهم حتى نالوا الشهادات وتخصصوا في مجالات مختلفة، من الطب والهندسة إلى التعليم والبحث والعمل الإداري. وقد أصبح عدد منهم أطباء وأساتذة ومهندسين، في صورة تعكس المكانة التي منحها للعلم، وإيمانه بأنه أفضل ما يمكن أن يورثه الأب لأبنائه.
ومن أبرز أبنائه الذين تركوا بصمات في الحياة العامة:
– الدكتور حمه ولد عبد المالك، أول أخصائي لطب الأطفال في ولاية الحوض الشرقي.
– السيدة فاطمة بنت عبد المالك، العمدة السابقة لبلدية تفرغ زينه ورئيسة جهة نواكشوط حاليا.
– الدكتور الشيخ التراد ولد عبد المالك، مفوض حقوق الإنسان سابقًا.
وتجسد هذه المسارات جانبًا من إرثه الأسري، الذي جمع بين التعليم والعمل وخدمة المجتمع، واستمر من خلال أبنائه الذين تولوا مسؤوليات في مجالات متعددة.
كان المرحوم محمد مواطنًا وفيًا لوطنه، وقد أتاح له عمله الإداري الطويل الاحتكاك بمختلف مكونات المجتمع، وبناء علاقات واسعة مع رجالات الدولة والمسؤولين الذين عاصرهم.
وتشير الشهادات المتداولة عنه إلى أنه حظي باحترام عدد من الرؤساء الذين عرفوه، وكانوا يستأنسون برأيه ويستفيدون من نصائحه ومشورته، وخاصة الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.
وقد نال خلال مسيرته عددًا من الأوسمة الوطنية المهمة، من بينها وسام الاستحقاق الوطني، تقديرًا لما قدمه من خدمات في المجال الإداري والوطني.
وعلى المستوى الشخصي، كان بشوشًا مرحًا، حسن المعشر، يحبه من عرفه أو التقى به، كما عُرف بالذكاء وقلة الكلام، فلا يتحدث إلا بما يراه مفيدًا، جامعًا بين هدوء الطبع وقوة الشخصية وحسن التدبير.
تزوج عدة مرات، ورُزق ببنين وبنات، وظل بيته وعلاقاته الاجتماعية امتدادًا لقيمه في صلة الأرحام، وإكرام الجار، والوفاء للأصدقاء، والإحسان إلى الناس جميعًا.
في شهر سبتمبر 2003، في العاصمة السنغالية دكار، فاضت روحه الطاهره إلى بارئها، بعد عمر حافل بالعمل والعطاء وخدمة الوطن والمجتمع. ونُقل جثمانه ليوارى الثرى في العاصمة نواكشوط، تاركًا وراءه سيرة ظل يتردد صداها في ولاتة وعدل بكرو والنعمة وغيرها من المدن التي عمل فيها أو عرفه أهلها.
ولم يكن رحيله حدثًا عابرًا في محيطه الاجتماعي، بل كان فقدًا لرجل ارتبط اسمه بالكرم والتقوى والإدارة وخدمة الناس. وقد رثاه الأدباء والأساتذة، مستحضرين ما تميز به من خصال، وما تركه من أثر في النفوس.
ومن بين المراثي التي قيلت فيه قصيدة الأستاذ حسني ولد الفقيه، التي جاء فيها:
عبس الزمان يترجم الأحزانا
لما رأى أن اليراع توانا
متلعثما متعسرا قد راعه
هول المصاب فما استطاع بيانا
ذاك المحيا الطلق غاب بنوره
من ذا بمثل سروره يلقانا
من ذا به الأرحام يعطي حقها
صلة وودا خالصا وحنانا
ياربنا هذا سمي المصطفى
بجوارك الأسمى استقر الآنا
فردوسك الأعلى بفضله إنه
عبد تقي لازم الإحسانا
يارب سل بنيه عنه وسلنا
فقد انحنينا للقضاء إيمانا
واحتسبنا صابرين فحسبنا
كون المهيمن رحمانا.
وتختزل هذه الأبيات جوانب من شخصية الراحل كما عرفها أهله ومحـبوه؛ فقد كان صاحب وجه طلق، ويد ممدودة بالعطاء، ورجلًا يصل رحمه ويحسن إلى الناس، حتى غدا فقده مصابًا تجاوز حدود أسرته إلى محيطه الاجتماعي الواسع.
إن استحضار سيرة محمد أن ولد عبد المالك ليس مجرد استعادة لمحطات رجل عمل في الإدارة خلال مرحلة مهمة من تاريخ البلاد، بل هو توثيق لنموذج جمع بين العلم الديني، والخبرة الإدارية، والكرم، والتفاني في خدمة الوطن.
فمن ولاتة، حيث تشكل وعيه الأول في بيئة العلم والقضاء، إلى عدل بكرو، حيث أسهم في تأسيس مركز إداري وتهيئة سوق نشط، مرورًا بمحطات عمله في مدن موريتانية مختلفة، ظل الرجل حاضرًا بما تركه من علاقات وذكريات ومواقف.
وبين المسجد والسوق، وبين الوظيفة العامة والبيت المفتوح، رسم مسارًا تتداخل فيه المسؤولية الوطنية مع القيم الدينية والاجتماعية، وتبقى فيه التربية والتعليم من أبرز وجوه الإرث الذي خلّفه لأبنائه ولمن عرفوه.
السلام على روح محمد أن ولد عبد المالك في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين




