أخبار

من اعلام الحوظ لمام ولد أماه

من أعلام الحوظ
طبيب الحوض الشرقي الذي اختار الناس على المنصب
لمام ولد أماه

في ذاكرة المجتمعات أطباء يتجاوز أثرهم حدود المهنة، ومنهم الطبيب لمام ولد محمد عبد الله ولد أماه، الذي ارتبط بالحوض الشرقي لعقود، وجعل من الطب رسالة لخدمة الناس ومساعدة المحتاجين.

وُلد لمام ولد محمد عبد الله ولد اماه سنة 1932م بمدينة أطار، وينتمي إلى قبيلة أولاد سالم، إحدى بطون أولاد دليم، ووالدته خديجة بنت سيدي ولد موسى من القبيلة نفسها.
نشأ في بيئة علمية تشجع على طلب العلم، وفي ولاية عرفت منذ قرون بمدنها التاريخية والعلمية، وفي مقدمتها شنقيط ووادان. وكان والده من مواليد مدينة وادان التاريخية، فوجد الفتى في محيطه العائلي والاجتماعي ما يشجعه على التعلم ويوقظ فيه مبكرًا شغف المعرفة.
ومنذ سنواته الأولى، ظهرت عليه علامات النبوغ والذكاء والفطنة، فبدأ رحلته العلمية التي قادته لاحقًا إلى مدينة سان لويس بالسنغال، التي كانت في ذلك الوقت من أبرز مراكز التعليم في المنطقة، وهناك اتسعت مداركه وتكونت شخصيته العلمية والمهنية.
اختار لمام ولد أماه الطب، وأظهر خلال دراسته له نبوغًا لافتًا، فلم يكتفِ بالمعارف الطبية التي تلقاها، بل كان شغوفًا بالبحث والاطلاع، واهتم كذلك بالطب الصيني والوخز بالإبر، وهو مجال نال فيه إعجاب أساتذته بما أظهره من نباهة ودقة في التشخيص وفهم للحالات المرضية.
وكانت قدرته على قراءة الأعراض وربطها بالحالة الصحية للمريض من أبرز سماته المهنية، وهي خصلة رافقته طوال مسيرته، حتى أصبح الطب بالنسبة إليه أكثر من وظيفة؛ كان مسؤولية ورسالة إنسانية.
وبعد تخرجه، أُرسل إلى الحوض الشرقي في خمسينيات القرن الماضي، لتبدأ هناك قصة طويلة من الارتباط بين الطبيب والمنطقة، استمرت عقودًا، وأصبح خلالها واحدًا من الوجوه التي تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة سكانها.
مع مرور السنوات، تدرج لمام ولد أماه في المسؤوليات والمهام، مستفيدًا من خبرته الطويلة وما أظهره من تفان وإتقان في العمل، حتى تولى بعد استقلال موريتانيا مسؤولية رئيس دائرة الصحة بالحوض الشرقي، وهي مسؤولية تعكس المكانة التي بلغها في المجال الصحي والثقة التي حظي بها.
لكن منصبه لم يغير من قربه من الناس. ظل حاضرًا بينهم، قريبًا من مرضاهم، ساهرًا على علاجهم، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين وجيه وضعيف.
وكان المرضى يجدونه حاضرًا في أوقات الحاجة، حتى أصبح اسمه مرتبطًا في أذهان السكان بالطبيب الذي لا يغلق بابه أمام من قصده طلبًا للعلاج.
ولعل أقوى دليل على عمق العلاقة التي نشأت بينه وبين الحوض الشرقي، أنه عندما تقرر تحويله إلى ولاية آدرار، رفض مغادرة المنطقة، وبلغ به التعلق بها أن قدم استقالته وأخذ تقاعدًا مبكرًا، ثم فتح عيادة وصيدلية في المنطقة، ليواصل رسالته الطبية والإنسانية بعيدًا عن الوظيفة الرسمية.
لم يكن ذلك مجرد قرار مهني، بل كان تعبيرًا عن علاقة وجدانية واجتماعية عميقة نسجها مع سكان الحوض الشرقي خلال سنوات طويلة.
تروي ارملته المصونة آمنة بنت الشيخ جانبًا من شخصية الرجل التي لم تكن تظهر دائمًا في عيادته.

فقد ظل، حتى بعد سنوات طويلة من الممارسة، مواظبًا على مطالعة كتب الطب، وكانت تأخذه إليها ساعات الليل، فلا يكاد يمر يوم دون أن يفتح أحد كتبه ويراجع ما فيه.

وتقول ارملته إنه كان يُوقظ أحيانًا مرتين وثلاثًا خلال الليل بسبب مرضى يحتاجون إليه، فينهض من نومه، ويتوجه إليهم، ولا يعود إلى فراشه إلا بعد الاطمئنان على حالتهم، حتى أصبح لا يجد من الليل إلا غفوات قصيرة.
وهكذا لم يكن الطب عند لمام ولد أماه علمًا درسه ثم انتهى منه، بل معرفة ظل يطورها ويجددها طوال حياته.
كان الجانب الإنساني هو الأبرز في شخصية الطبيب الراحل.

عرف عنه حسن الخلق، وطيب المعاملة، والكرم، وحب الآخرين، والمبادرة إلى فعل الخير. وكان قريبًا من المحتاجين والمعوزين، حريصًا على مساعدتهم وقضاء حوائجهم، ويبذل في ذلك بسخاء.
وحين فتح عيادته وصيدليته، ظل يقدم العلاج للمحتاجين مجانًا، وكان يردد أن ما يقدمه إنما هو ابتغاء مرضاة الله.
ولم يكن في تعامله مع الناس اعتبار للفوارق الاجتماعية؛ كان يلتقي بشيوخ القبائل ووجهائها، كما يجلس مع الضعفاء والمحتاجين، ويعامل الجميع بالاحترام نفسه والتواضع نفسه.
ومن تلك المواقف ما ترويه زوجته عن إحدى الليالي، حين أيقظه أحد السنغاليين في وقت متأخر من الليل، طالبًا منه إسعاف زوجته التي كانت تعاني ولادة متعسرة.
نهض الطبيب من نومه، وتوجه لإسعاف المرأة حتى تم المخاض، لكن المولود كان ضعيفًا ويحتاج إلى الأكسجين. فواصل لمام إسعافه بنفسه حتى بدأ الطفل بالبكاء
وكان ذلك في وقت لم تكن فيه الإمكانات الطبية المتاحة اليوم موجودة، ومع ذلك لم يتردد في بذل ما يستطيع لإنقاذ حياة المولود.
ومن ملامح نبوغه الطبي أيضًا أنه تعامل مع علاج مرضى السل الرئوي بطريقة مبتكرة في بيئته آنذاك، فكان يحول الدواء من الأقراص إلى صورة سائلة (سيروه)، ويحتفظ به في ثلاجته، ويشرف بنفسه على إعطائه للمصابين ومتابعة علاجهم حتى تماثل عدد منهم للشفاء.
قضى لمام ولد أماه قرابة أربعة عقود من عمره المهني في خدمة الحوض الشرقي، وهي عقود لم تكن مجرد سنوات عمل، بل سنوات من المواقف الإنسانية والقصص التي بقيت في ذاكرة من عاصروه ومن عالجهم.
تزوج ورُزق ببنين وبنات، ومن أبنائه البررة القاضي محمد سالم ولد لمام المستشار الفني لوزير الداخليه حاليا
وسبق أن شغل منصبي رئيسي محكمتي التجارية والشغل
رئيس دواوين التحقيق المتخصصة في الجرائم الإقتصادية والإرهاب سابقا ، واستمر اسمه حاضرًا في المنطقة من خلال أبنائه ومن خلال إرثه الإنساني الذي تركه بين الناس.
لم تكن نهاية حياته مختلفة عن كثير من صفحاتها؛ فقد جاء الرحيل فجأة إثر حادث سير أليم عند منعرج أشرم بولاية تكانت1984م.
نُقل إلى مستشفى كيفه، حيث بقي ثلاثة أيام تحت العناية المركزة، وبذلت محاولات لإنقاذه، كما أرسلت الدولة الموريتانية طائرة خاصة لنقله، لكن الأجل كان قد حان.
وعندما حطت الطائرة بمطار كيفه، فاضت روحه الرحيمة إلى بارئها، بعد عمر حافل بالعطاء وخدمة المرضى وجبر خواطر المحتاجين وتم دفنه في مقبرة كيفه
فلمام ولد أماه لم يترك وراءه فقط وصفات طبية وعيادة وصيدلية وذكريات مرضى؛ ترك صورة لطبيب رأى في مهنته أمانة، وفي المحتاج إنسانًا يستحق المساعدة، وفي العلم مسؤولية لا تنتهي بالتخرج.

وبعد عقود من العطاء، تبقى المفارقة المؤلمة أن رجلًا خدم الحوض الشرقي قرابة أربعين عامًا، وارتبط اسمه بذاكرة سكانه، لا تزال المنطقة، تفتقر إلى منشأة صحية تحمل اسمه تخليدًا لعطائه الإنساني والمهني.
وربما كان أصدق تكريم لسيرة لمام ولد أماه ألا يُختزل اسمه في شاهد قبر أو ذكرى عابرة، وإنما أن يبقى حاضرًا في المكان الذي اختاره هو نفسه، يوم رفض العودة إلى آدرار، واختار أن يبقى بين أهل الحوض الشرقي حتى آخر الطريق.
هناك، حيث عاش طبيبًا، ومات إنسانًا، وبقي في ذاكرة الناس واحدًا ممن جعلوا من الطب رحمة قبل أن يكون مهنة.
السلام على روح لمام ولد اماه في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى