من اعلام الحوظ

🔴من اعلام الحوظ
سيرة رجل دولة ووجاهة مجتمع.
الساس ولد عال ولد أكيك
ينتمي الساس ولد عال ولد اكيك إلى بيت عريق في الشرف والعلم والوجاهة الاجتماعية، فهو حفيد شيخ أهل ولاتة اكيك ولد عال ولد ملوك، أحد أعلام المدينة ومراجعها الاجتماعية، كما أن والدته هي أمي بنت الساس ولد مولاي اعل ولد احبيب، في نسبٍ يجتمع فيه المجد من طرفيه، ويؤسس لنشأةٍ استثنائية جمعت بين الأصالة والانفتاح.
وُلد الساس ولد اكيك سنة 1930م، في زمن كانت فيه ولاتة حاضرة علمية واجتماعية مرموقة، فشبّ في بيت شرفٍ وحَضَرٍ ومدنية، وتفتّحت مداركه الأولى في كنف جده الشيخ اكيك، الذي تولّى الإشراف المباشر على تربيته وتأديبه، فغرس فيه قيم الوقار، والانضباط، وحب المسؤولية، واحترام الناس، وهي القيم التي لازمته طوال مسيرته المهنية والإنسانية.
تلقى تعليمه الأول في مدرسة أبناء الشيوخ بمدينة تمبدغه سنة 1936م، حيث ظهرت مبكرًا ملامح نبوغه واستعداده العلمي. ولم يلبث أن شدّ الرحال خارج الوطن، بحثًا عن العلم والتكوين، متجهًا إلى السنغال، حيث التحق بـ ثانوية وليام بونتي، إحدى أعرق المؤسسات التعليمية آنذاك، وتخرج منها سنة 1949م مدرسًا.
غير أن طموحه، واتساع أفقه، وروحه القيادية، جعلته لا يطيل المقام في الحقل التربوي، إذ سرعان ما التحق بالسلك الإداري بعد خضوعه لتكوين متخصص في المعهد الفرنسي لما وراء البحار (INFOM)، شعبة الدبلوماسية، وهو ما شكّل منعطفًا حاسمًا في مسيرته المهنية.
دخل الساس ولد اكيك عالم الإدارة من أوسع أبوابه، فعمل حاكمًا ثم واليًا في عدة مناطق من الوطن، حيث تميز أداؤه بالحزم المقترن بالحكمة، وبالصرامة التي لا تنفصل عن العدل، وبالقرب من المواطنين دون الإخلال بهيبة الدولة. كما شغل منصب عمدة منتدب للحكومة في بورت إنتيه (انواذيبو حاليًا)، في مرحلة كانت تتطلب كفاءة عالية وقدرة على إدارة الملفات الحساسة.
وفي واحدة من أدق الفترات التي عرفتها البلاد، وعلى خلفية الأحداث المرتبطة بحركة النهضة، وما رافقها من توتر أمني عقب مقتل فرنسيين في مدينة النعمة سنة 1963م، أُسندت إليه إدارة المدينة في ظرف بالغ الحساسية، خاصة مع وجود امتدادات اجتماعية لتلك الأحداث في المنطقة. وقد أبان، رحمه الله، عن حكمة نادرة، وسؤددٍ مشهود، فتمكن من كبح جماح الاتهامات، واحتواء التوتر، والحفاظ على السلم الأهلي، حتى تم تجاوز تلك الأزمة بأخف الأضرار، وهو إنجاز يُحسب له في سجل خدمة الوطن.
وتقديرًا لكفاءته ونزاهته، عُيّن الساس ولد اكيك سفيرًا لبلادنا لدى جمهورية مالي، حيث قضى قرابة عقدٍ كامل، أدار خلاله العمل الدبلوماسي باقتدار، ومثّل وطنه خير تمثيل، جامعًا بين حسن الخطاب، وعمق الفهم، واحترام الأعراف الدبلوماسية، مما أكسبه تقدير الدولة المضيفة واحترام زملائه في السلك الدبلوماسي.
تقاعد من العمل الدبلوماسي سنة 1986م، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، غير أن خروجه من الوظيفة الرسمية لم يكن خروجًا من خدمة المجتمع. فمع بزوغ فجر الديمقراطية في البلاد، انتخبه سكان ولاتة أول عمدة لبلديتها التاريخية، فكان اختياره تعبيرًا عن الثقة الشعبية، وتكريسًا لمكانته الاجتماعية، وخبرته الإدارية، وارتباطه الوثيق بأرض الآباء والأجداد.
وكان، رحمه الله، مثالًا للوجيه الاجتماعي؛ إذ ظل منزله مفتوحًا على الدوام، قبلةً للمحتاجين، وملجأً للضيوف، وملتقى لأهل الرأي والمشورة. عُرف بالكرم، وحسن السمت، والهيبة الطبيعية، وطيب المعشر، حتى قيل فيه إنه جوادٌ وسيّم، عطرُ السيرة قبل عطر الرائحة، سياسيٌّ بحكمة، ووجيهٌ بحضور.
تزوج وأنجب بنين وبنات وغرس فيهم ما نشأ عليه في بيت جده
وفي سنة 1991م توجه للمغرب لرحلة علاج بيد أن المنون كان يتنظره مع الأسف حيث وافاه الأجل المحتوم بالدار البيضاء وتم نقل جثمانه الطاهر للعاصمة انواكشوط حيث وري الثري هناك
ويُعدّ رحيل السفير عال ولد اكيك خسارةً كبيرةً للمجتمع الولاتي، وللوطن عمومًا، لما مثّله من نموذج لرجل الدولة المتزن، والإنسان النبيل، والفاعل الاجتماعي المؤثر. فقد كان، رحمه الله، رجلًا نبيها، كريم الخلق، واسع الأفق، من أولئك الذين يُؤلَفون ولا يُمَلّ مجلسهم، لما يتحلى به من حكمة، ورجاحة عقل، وحسن استماع.
عرفه من جاوره ومن عمل معه مثالًا للإخلاص في خدمة الوطن، وحسن تمثيله في مختلف المحافل، جامعًا بين التواضع والوقار، وبين الحزم واللين، والوسامة والتواضع،فاستحق بذلك مكانته في القلوب قبل المناصب.
وإن فقده ليترك فراغًا كبيرًا في الساحة الاجتماعية والدبلوماسية، غير أن أثره الطيب، وسيرته العطرة، ومآثره المشهودة، ستظل حيّة في ذاكرة ولاتة، وفي وجدان كل من عرفه أو سمع عنه وربما في ربوع وطننا الحبيب
السلام على الساس ولد عال ولد أكيك في العالمين



