من أعلام الحوظ سيرة عالم افنى عمره في القرآن والفقه وتعليم الأجيال الشيخ محمد ولد دهمد

من اعلام الحوظ
سيرةُ عالمٍ أفنى عمره في القرآن والفقه وتعليم الأجيال..
الشيخ محمد ولد المحفوظ ولد دهمد
في سجل أعلام الحوظ الشرقي، تبرز أسماء رجالٍ جعلوا من العلم رسالة، ومن التعليم ميراثًا، ومن المحظرة منارةً تحفظ للناس دينهم ولغتهم وتراثهم. ومن تلك القامات العلمية العلامة الفقيه الشيخ محمد ولد المحفوظ ولد الشيخ ولد سيد أحمد، الملقب دهمد، من قبيلة الأديجبي، فخذ أهل اشفغ، الذي أفنى عمره في طلب العلم وتحصيله وتعليمه، حتى غدا اسمه مرتبطًا بالقرآن والفقه واللغة والمحظرة.
وُلد الشيخ محمد بن المحفوظ سنة 1920م بضواحي تمبدغه في الحوض الشرقي، لوالده الشيخ ولد سيد أحمد الملقب دهمد،
والدته انانه بنت ودو ولد احمادو من قبيلة اكسيمه.
نشأ في بيئة محافظة، عُرفت بالعناية بالدين وتعلّمه وتعليمه، فشبّ محبًا للعلم، مقبلًا على القرآن، حتى حفظ كتاب الله في سن مبكرة، وأتقن تلاوته وتجويده، وتفقه في علومه من رسم وضبط، كما أخذ الإجازة في رواية الإمام نافع عن ورش وقالون عن ابن عمه وشيخه الشيخ سداتي ولد الديه.
ولم يقتصر تكوينه على حفظ القرآن وأدائه، بل أقبل على سائر علومه، فدرس الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والوقف والابتداء، وغيرها من علوم القرآن.
ثم انتقل إلى دراسة المصنفات المالكية، فبدأ بـرسالة ابن أبي زيد القيرواني، فحفظها وأتقنها، ثم درس موطأ الإمام مالك، ومختصر الشيخ خليل بن إسحاق.
وقد تلقى هذه المتون على العلامة الورع الشيخ سيد محمد بن أحمد معلوم، بسكون الميم، السباعي نسبًا، القلاوي وطنًا، الحوضي دارًا، فنهل من علمه، واستفاد من طريقته في الفقه والتحصيل.
وبعد ذلك واصل رحلته العلمية على العلامة محمدو سالم بن الشين، الحميري نسبًا، الحسني خؤولة، فدرس عليه ألفية ابن مالك، وأحمرار المختار ولد بونه، وشرح الشيخ سيدي بن الهيبة، مع زيادة الحسن ولد زين.
كما درس فترة وجيزة على العلامة الفقيه محمد المختار ولد أمباله التيشتي، قبل أن يحط رحاله في مدرسة فريد عصره، العارف بالله، القاضي الشيخ المحفوظ ولد محمد محمود بن أحمد زيدان بن بيه المسموسي، الذي يعد من عدول الحوض وأحد أعلامه وقضاته البارزين.
هناك، في مدرسة القاضي الشيخ المحفوظ ولد بيه، وجد الشيخ محمد ولد المحفوظ مجالًا واسعًا لمواصلة التحصيل، فدرس عليه، ونهل من معارفه، ثم زاده الله صلة به، فتزوج إحدى بناته المصونات فاطمة بنت الشيخ المحفوظ، ورُزق منها بطفلين لم يكتب لهما البقاء، ثم توفيت زوجته عنده، رحمها الله تعالى.
وبعد أن نهل من بحر علم القاضي الشيخ المحفوظ ولد بيه، بدأ الشيخ محمد المحفوظ مسيرته في التدريس بـمحظرة أهل بيه، مواصلًا بذلك رسالة شيخه، ومشاركًا في حمل أمانة العلم وتعليم الأجيال.
ثم واصل هذه الرسالة في المعهد الإسلامي الذي أصبحت فيه المحظرة مؤسسةً أوسع للدراسات الإسلامية بأمر من العلامة وخليفة والده الشيخ عبد الله بن بيه شمله لطيف بلطفه، وتولى الشيخ محمد ولد المحفوظ التدريس فيه، فتخرج على يديه عدد كبير من أهل القرآن والفقه والنحو، إلى جانب طلاب عُرفوا بالصلاح والاستقامة.
ولم يكن الشيخ محمد المحفوظ عالمًا مدرّسًا فحسب، بل كان صاحب تصانيف وآثار علمية، ترك عددًا من المؤلفات، من أبرزها:
– الفلق البهي على نظم الأخضري.
– شرح المنظومة البرية على مقرإ الإمام نافع.
– الغيوث الهوامع على الدرر الوامع.
– شرح لامية الزقاق في القضاء.
– شرح مخارج الحروف وصفاته.
وكان الشيخ، إلى جانب غزارة علمه، معروفًا بالكرم ولين الجانب، يألف الناس ويألفونه، ويولي تلاميذه عناية خاصة حتى يخيل للقادم أنهم أبناؤه. وكان لسانه رطبًا بذكر القرآن، وقد حباه الله ذاكرة قوية وحفظًا متقنًا، فجمع بين العلم وحسن الخلق، وبين التدريس وحسن التربية.
وفي آخر حياته اتخذ من مدينة تمبدغه سكنًا، حيث أقام محظرته الكبيرة في حي ابريكمه حيث اعطاهم رئيس البرلمان السابق الأمير حمود ولد احمدو منزلا فخما إتخذه التلاميذ سكنا لهم ومحظرة، وظل فيها يدرس القرآن الكريم ومختلف المصنفات، حتى تخرج من محظرته عدد من الفقهاء وطلبة العلم، من بينهم، على سبيل المثال:
– محمدو ولد البُ
_سيدي محمد ولد ابراهيم
– الفقيه بَبَّ ولد أبِّي
– الشيخ ولد احمادو.
وغيرهم من الفقهاء والطلبة الذين حملوا شيئًا من علمه، وواصلوا طريق التعليم والتحصيل.
وقد أثنى عليه الفقهاء وأهل الفضل، ومن ذلك ما قاله الفقيه فضيلة الشيخ اليدالي ولد الحاج أحمد في أبيات يمدحه فيها:
يطيب لنا رفع الكفاف بشرحه
إلى الحبر حبر الحوض بدر المسالك
بداية رأس الخير في كل مشهد
وغايته القصوى جمام المدارك
محمدنا المحفوظ لا زلت مأمنا
ولا زلت في العلياء عبر الأرائك
أود دعاء حافلا بعناية
خلاصته أمن الشقا والمهالك
ولا تحسبوا بطء الكتاب تهاونا
ولكنما النسيان ليس بتاركي.
وهي أبيات تكشف مكانته في نفوس أهل العلم، وتبرز ما كان يُنظر إليه من علمه وفضله ومكانته في الحوض.
تزوج الشيخ محمد ولد المحفوظ ورزق ببنين وبنت واحدة
وفي شهر أبريل سنة 2004م، وفي العاصمة نواكشوط، أسلم الشيخ محمد ولد المحفوظ الروح إلى بارئها، بعد عمر حافل بالعلم والعمل والتعليم، قضى معظمه في خدمة القرآن والفقه واللغة، وتربية الطلاب وبناء أجيال من أهل القرآن والعلم.
ولم يكن رحيله عابرًا في ذاكرة العلماء والفقهاء، فقد رثاه أهل العلم والفضل، ومن ذلك قصيدة الوزير السابق والفقيه الداه ولد سيدي ولد اعمر طالب ، التي نختار منها هذه الأبيات:
قد أرق العينان وألم
حين نعى الحبر شيخنا العلم
محمد للآل دهمد انتمى
أولئك الشم الهداة العلما
من ذكره وصيته قد انتشر
بين الورى وأقبلت له البشر
ومن سنا علومه جلا الغيوم
وخجلت منه البدور والنجوم
فكم أجاز من فتى شهم نبيه
حدث فإن ذاك لا حرج فيه
وكم جليل وفقيه عيلم
قد سلموا لنقله المسلم
يا حظ لو طال له البقاء
لكن جرى بما جرى به القضاء
وكل ما فعله الجليل
سبحانه في خلفه جميل
سقى ثراه وابل الغفران
والفوز والرحمة والرضوان.
رحل الشيخ محمد المحفوظ ولد دهمد، لكن رحيله لم يضع حدًا لمسيرته؛ فقد بقي القرآن الذي علّمه، والفقه الذي بثه، والطلاب الذين تخرجوا على يديه، والمؤلفات التي خلفها، والذكر الحسن الذي تركه بين أهل العلم وطلاب المعرفة.
وهكذا يظل الشيخ محمد ولد المحفوظ ولد دهمد واحدًا من أولئك الرجال الذين لم تكن حياتهم ملكًا لأنفسهم وحدهم، بل كانت وقفًا على العلم وأهله؛ حملوا أمانة القرآن، وصانوا علوم الشريعة، وأورثوا ما تعلموه لأجيال من بعدهم.
إنها سيرة عالم من أعلام الحوض، عاش للعلم، ومضى تاركًا وراءه أثرًا لا يقاس بطول العمر، وإنما بما تركه من علمٍ وتلاميذ ومؤلفات وذكرٍ طيب.
رحم الله العلامة الفقيه الشيخ محمد المحفوظ ولد دهمد رحمة واسعة، وجزاه عن القرآن والعلم وأهله خير الجزاء، وبارك ، وجعل ما خلفه من علمٍ في ميزان حسناته
السلام على روح العلامة الفقيه محمد ولد المحفوظ ولد دهمد في العالمين، وبارك في عقبه إلى يوم الدين.




